المشروع الإسلامي : الرسالة ورؤى المستقبل (4)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

المشروع الإسلامي : الرسالة ورؤى المستقبل (4)

مُساهمة من طرف بحري أسامة في الثلاثاء يونيو 08, 2010 11:44 am

المشروع الإسلامي : الرسالة ورؤى المستقبل (4)
| بقلم د. عبد الرزاق مقري
قبل أن نواصل عرض فقرات موضوعنا نذكر بمحاوره الكبرى حتى تسهل متابعته ويتضح الترابط بين مختلف فصوله وفقراته فقبل أن نصل إلى الفصل الأخير ( الفصل الثالث) الذي يتعلق بعنوان البحث ( المشروع الإسلامي: الرسالة ورؤى التأسيس) نتحدث في الفصل الأول عن مكونات المشروع الإسلامي وهويته ومبررات وجوده ورسالته وأدواته وعناصر قوته ثم نتطرق في الفصل الثاني إلى التحديات الجديدة التي تواجه هذا المشروع بعد قرن من التأسيس.




وبعد أن تحدثنا في الأجزاء السابقة عن بعض مكونات المشروع الإسلامي فتطرقنا إلى فكرته وقادته ورموزه ومنظماته ومؤسساته نكمل في هذا الجزء ما تبقى من هذه المكونات ثم نتطرق إلى هويته ومبررات وجوده ونتحدث في المرة القادمة عن رسالته وأهدافه.

الفصل الأول: المشروع الإسلامي: مكوناته، هويته، رسالته وأدواته.
الفرع الأول: مكوناته ( فكرته، قادته ورموزه، منظماته ومؤسساته، جمهوره، تاريخه وتطوراته).
الفرع الثاني: هويته وأسباب وجوده.
الفرع الثالث: رسالته وأهدافه.
الفرع الرابع: أدواته.
الفرع الخامس: عناصر قوته.
الفرع الأول: مكوناته

رابعا ـ جمهوره:

لا يصح أن نسمي المشروع مشروعا، لا سيما في مجال الإصلاح والتغيير، ما لم يقتنع به شرائح واسعة من الناس وتلتف حوله قطاعات عريضة من الجماهير فيقتنعون بأهدافه ويتفاعلون مع برامجه ويلتزمون بنهجه ويستفيدون من وجوده ويقدمون له الدعم والنصرة ويحمونه من خصومه وأعدائه وبقدر ارتباط هذا الجمهور بالمشروع وصدقه في نصرته وتضحيته من أجله يتمكن ويَحسمُ الأمر لصالحه في مواجهة المشاريع المنافسة له.

ولا يشك أحد أن من أهم مكونات المشروع الإسلامي وخصائصه وسماته التفاف الجماهير الواسعة حوله من مختلف الشرائح الشبابية والنسائية والعمالية، والفقيرة والغنية، والمثقفة وغير المثقفة، والنخبوية ومن عموم الناس. وقد اتضح ذلك جليا في كل عملية انتخابية يُتاح فيها هامش من الاختيار الحر كما حدث في الجزائر في بداية التسعينيات وفي مصر وفلسطين وتركيا في بداية العشرية الحالية. ولا تُعتبر حالة التراجع الانتخابي الذي عرفته بعض التنظيمات الإسلامية في الفترة الأخيرة مؤشرا على تراجع المشروع فقد تكون بعض الحركات الإسلامية قد تراجع ولكن المشروع لم يتراجع في نفوس الجماهير ذلك أن هذه الجماهير يئست من المشاركة في انتخابات محسومة سلفا ولا تأتي بأي تغيير، فقد صارت مطالبها أعلى مما تطيقه الأحزاب الإسلامية الحالية، ولو برز الأمل في التغيير من خلال العملية الانتخابية لحسم الأمر في أول فرصة لصالح من يَعتقدُ الجمهور بأنهم يمثلون المشروع الإسلامي. ولا تظهر شعبية المشروع الإسلامي في الانتخابات فقط بل تظهر كذلك في سبور الآراء التي تجريها المؤسسات الإعلامية والبحثية والإحصائية، وفي المظاهر الإسلامية المتفشية في المجتمع، وفي الإقبال المتنامي على المساجد والمراكز والنوادي الإسلامية وفي البذل العظيم الذي يقدمه الناس لمختلف المشاريع الإسلامية الخيرية والإغاثية والجهادية والذي لولاه لسقطت المقاومة الإسلامية في فلسطين مثلا، وتظهر كذلك بالنزوع المتنامي للمعاملات المالية الشرعية والاحتفاء الكبير بأذواق وطبوع الفنون الإسلامية.

خامسا ـ تاريخه وتطوراته:

لا شك أن المشاريع الكبرى التي ترنو الإصلاح والتغيير تنشئ أحداثا كبرى وملاحم عظمى فتسطر بذلك تاريخا يصبح جزء منها، تٌعرف به ويصبح مكونا أساسيا من مكوناتها، وذاك التاريخ هو تاريخ رجالها ومؤسساتها وتطورات أفكارها وعلاقاتها وإنجازاتها وإخفاقاتها.

إن المشروع الإسلامي مشروع له تاريخ عريق مليء بالأحداث والتفاعلات مرت عليه سنون عجاف وسنون سمان عرف المشانق والسجون كما عرف المناصب والقصور فابتلي بهذا وابتلي بذاك ولكنه في كل الأحوال بقي مستعصيا على الاضطهاد صابرا أمام المغريات لم يصبه من الضرر هنا وهناك إلا ما يُتحمل ويُغتفر بصفته مشروعا بشريا يعتريه من الضعف ما يعتري البشر.

إن المسيرة الطويلة المليئة بالأحداث التي عرفها المشروع الإسلامي وكذا التأثيرات المتبادلة مع المحيط الذي تطورت فيه جعلته مكونا أساسيا من تاريخ البشرية وفاعلا رئيسيا في الأحداث القطرية والدولية فلا يمكن فهم تاريخ العالم العربي والإسلامي المعاصر إلا من خلال دراسة تاريخ المشروع الإسلامي بكل مكوناته، وبعد تطورات القضية الفلسطينية وأحداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو العراق وفلسطين لا يمكن فهم العالم إلا بدراسة تاريخ هذا المشروع وعلاقته بغيره من المشاريع دراسة متأنية وموضوعية تجنب التضليل والتدليس.
هويته ومبررات وجوده

يُثار نقاش كبير عن مبررات وجود المشروع الإسلامي والدوافع التي أنتجته فحددت هويته ورسمت معالم كينونته، فمنهم من يفسر بروزه تفسيرا ماديا فيعتقد بأن حالة الفقر والحرمان والشعور بالظلم والتهميش هو الذي ألجأ الناس إلى الدين ثم جاء متخصصون إسلاميون لهم مآرب مادية استعملوا هذا المد الشعبي اليائس، ومنهم من يفسره تفسيرا سياسيا فيعتبر أن فساد الحكام والأنظمة العربية ورفضهم توفير الحرية والديموقراطية وعجزهم عن تحقيق التنمية والرفاه هو الذي ألجأ الراغبين في التغيير والإصلاح إلى الإسلام باعتباره ديانة مثالية تتحدث عن العدالة والمساواة في غياب مشاريع أخرى قوية في العالم العربي والإسلامي، ومنهم من يعتبر أن الشعور بالظلم في ظل الاحتلال والهيمنة الغربية والتفوق الإسرائيلي هو الذي جعل سكان المنطقة يحتمون بالإسلام ويسيرون وراء الحركات الإسلامية خصوصا بعد سقوط المشروع القومي وهزيمته في حرب 1967.

لا شك أن كل هذه العوامل لها دورها في بروز المشروع الإسلامي وتطوره ولا عجب أن يكون أكثر أنصار المشروع الإسلامي من الفقراء والمحرومين فقد كان الأمر كذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالفقير صاحب حق ضائع بين الأغنياء، ولا يوجد من وَضَّح له هذا الحق ودَفعَه للمطالبة به كالإسلام، ولا غرو أن يلجأ الإنسان إلى ربه حينما تصيبه النكبات بل من مفاخر الإسلام أنه كان الحصن المنيع الذي حفظ الأمة من الزوال والانهيار كلما أصابتها الخطوط، فلا يَذكرُ التاريخُ بأن صحوةً بعد غفلةٍ وقوةً بعد ضعفٍ عرفتها الأمة الإسلامية دون الرجوع للإسلام والاعتماد عليه، اتضح ذلك جليا في الحروب الصليبية وتحرير البلاد من الفرنجة من قبل عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، وفي مواجهة التتار وهزيمتهم بعد سقوط بغداد من قبل الظاهر قطز وبيبرس، وفي هزيمة القوط في الأندلس من قبل المرابطين بعد أن دب الضعف والصراع بين ملوك الطوائف، وغيرها من الأمثلة في مختلف محطات التاريخ الإسلامي إلى أن ظهر ذلك جليا في الزمن الحديث في مقاومة الاحتلال وحروب التحرير في مختلف البلاد العربية الإسلامية حيث كان الإسلام هو الدافع الأقوى والمحرك الأساسي في كل الثورات والحروب والمعارك.

غير أن هذا كله ليس هو الأساس فالإسلام نفسه يملك من القوة الذاتية ما يضمن له البقاء عبر الأزمنة وهو الحفظ الذي عناه الله تعالى في قوله: (( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )). "وهذه القوة الذاتية هي التي تدفع إلى المقاومة حينما تطرأ على الأمة الإسلامية عوامل الضعف والوهن، سواء كانت داخلية أم خارجية، فما أن تأتي عليها فترة شدة متمثلة في اعتداء خارجي، أو في انحراف عن جادة الدين، أو في تراجع حضاري حتى تدفع القوة الذاتية في تعاليم الدين برجل من المسلمين أو بفئة منهم للعمل على إفراج الشدة، وإصلاح الفساد". فمن خصائص هذه الأمة أن لا تجتمع كلها على السوء والضلالة بل تظل فيها طائفة قائمة على الحق، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لا يخلو منها جيل من الأجيال أبدا كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، لايضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)).

ولذلك حينما ضعفت الأمة الإسلامية وتخلفت عن الركب الحضاري لم يسكن ضميرها بل بقي فيها من ينادي بنداء المبادئ والقيم والرشد والوعي قرنا بعد قرن وفقا لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها)) وحينما اشتطت بها الخطوب في القرنيين الماضيين فسقطت الخلافة فيها واحتُلت ديارُها وكادت تمحى من الوجود ظهر فيها من جمع الجهد الإسلامي القديم المتراكم وأنشأ نظرية المشروع الإسلامي المعاصر الذي تحدثنا عن مكوناته أعلاه والذي وإن لم يحقق أهدافه كلها صار رقما صعبا في معادلة التغيير في المنطقة العربية والإسلامية، وهو يملك من المؤيدات ما يؤهله لفرض نفسه وتجسيد طموحاته أكثر من غيره.

وفي كل الأحوال ومهما تعددت مبررات بروز المشروع الإسلامي فإنها تدل كلها على أنه مشروع أصيل نابع من عمق هذه الأمة لا ينتمي إلا لها وليست له هوية غير هويتها، منها انبعث وفيها يتطور وإليها يعود. ومهما اختلفت طرائق هذا المشروع وتعددت أوجهه وتجاربه ومؤسساته ومهما حاولت أطراف غريبة عنه توظيفه والاستفادة منه ومهما كانت أخطاء العاملين فيه وباسمه فإنه يبقى مشروع نهضة الأمة الإسلامية يدفع خبثه بنفسه ويعود في كل الأحوال لأهله الذين هم أمة نبي الله وخاتم رسله.

نشر يوم: الخميس 15 أبريل 2010
avatar
بحري أسامة
عضو نشيط في المنتدى
عضو نشيط في المنتدى

عدد المساهمات : 32
نقاط : 79
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/06/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى