عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة

اذهب الى الأسفل

عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 8:54 am



المقدمة: يبدو أن عقيدة التوكل على الله بدأ رصيدها يتناقص في قلوب كثير من المؤمنين، وصار الاعتماد على الناس في الحصول على المرغوبات عقيدة جديدة، وصرنا نسمع ألفاظا ومصطلحات كنا نعدها من مظاهر الشرك كقول البعض : "نعوّل عليك..نعتمد عليك..إذا تخليت علي ضعت..لولاك لما كنت هنا..إلخ"!؟




ولأننا نعيش الأجواء الإيمانية الشفافة في هذا الشهر الكريم، فأننا نقدر مفيدا أن نسلط الضوء على هذه الزاوية طمعا في استعادة المناعة المكتسبة في عقيدة التوكل التي كان عنوانها حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "يا غلام إني أعلمك كلمات : أحفظ الله يحفظك، أحفظ الله تجده تجاهك، فإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله..وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ".
فهل تغيرت المفاهيم أم أن سنن الله غلابة؟؟

إن ضغط الحياة والجري وراء لقمة العيش- برصيد إيماني مهزوز- يولد في النفس البشرية، عند كثير من الناس، مشاعر القلق والتوتر الناجم عن الخوف من المستقبل الغائم :
- الخوف من مستقبل الإنسان مع نفسه ومع محيطه العام
- والخوف على مستقبل الأولاد الدراسي والمهني والاجتماعي..
- والخوف على مستقبل الأسرة التي يشرف عليها ويعولها، لاسيما إذا كان العائل موظفا بسيطا أو عاطلا عن العمل.. لا يستطيع توفير الضروريات اللازمة لاستمرار الحياة، ناهيك على أن يحلم بالكماليات والتحسينات، ومن هنا ينهار رصيد الإيمان، وينشأ، في داخل النفس البشرية، الضغط المولد لهذه المخاوف، فيجد الإنسان نفسه متوترا.. كثير الشكوى يعيش مضطربا ممزقا، ويقضي يومه فريسة لهواجس غامضة لا يعرف كيف يعالجها، لأنه متوكل على الناس، ولأن رغباته تتزايد كل يوم ولا يستطيع تحديدها ولا كبحها، ولا يملك الهروب منها ولا يصبر على حالة البقاء فيها، ولا يملك وسائل التخلص من تبعاتها، فإنه سوف يجد نفسه بين تجاذبين كلاهما مفسد لعقيدة التوكل على الله :
- الطمع في ما بأيدي الناس
- حسد الناس على ما أعطاهم الله.

ومن هنا يصاب الإنسان بحالة من القلق القاتل يسميها القرآن الكريم "المعيشة الضنك" فيقع فريسة الأطماع والأوهام، ويصاب بفقر الإيمان، فتبدأ رحلة الإحباط..وتنشأ الأزمات النفسية في حياته فيعيش حالة تعيسة من التوترات قد تصل بالبعض إلى الفصام (ازدواج الشخصية) أو ما يسمونه "الوسواس القهري" وأسميه ضعف الثقة في الله، وقلة التوكل على الله..أو فقد المناعة المكتسبة. فاحذر أن تفقد مناعة الإيمان المكتسبة فتستسلم لهواجسك بدل التسليم لقضاء الله وقدره، فتصاب بما يشبه "الإيدز" التربوي الذي يقعد بصاحبه عن الهمم الغالية والقمم العالية..

1- أين عقيدة التوكل : صرت معتقدا أن شرائح واسعة من أبناء العالم الإسلامي قد فقدوا المناعة الإيمانية المكتسبة وصاروا – كغيرهم من الناس- يأكلون التراث أكلا لمًّا ويحبون المال حبا جما، وبهذين السلوكين يفقد الإنسان المناعة ضد الانبهار بالأنماط المعيشية الجاهلية الوافدة من وراء البحار، "أرحام تدفع وأرض تبلع" وما يهلكنا إلاّ الدهر، وهي صوّر زائفة من المعيشة ليست متوفرة إلاّ على شاشات التلفزيون ولا وجود لها حتى بالنسبة للذين يعيشون في تلكم الديار، إنما هي نماذج شاذة تُسوَّقها وسائل الإعلام، وتضخمها الدعاية الإعلامية القائمة على الاستهلاك والترويج للإفلاس العام ودحض القيم والمبادئ والثوابت، وتصوير أحلام وردية وكأن الناس جميعا يعيشون في "هوليود" أو كأن الحياة مسلسل تلفزيوني، والجميع يدرك أن العولمة الثقافية صارت تستهدف الإنسان، بنشر ثقافة الاستهلاك وتعميم الفلسفة الفر دانية (تضخم الأنانية وحبّ العيش منفردا وقطع الصلة بالأرحام..) والدفع باتجاه تفكيك العلاقات الأسرية وجعل الحياة بلا رسالة ولا هدف..فالإنسان –في ثقافة العولمة- لم يخلق ليعبد الله، فلا قيمة للدين ولا للخلق, والإنسان العولمي ما خلق لرسالة وإنما خلق ليعبد نفسه..وليعيش وحده : أكلا وشربا ونوما ولهوا وعلاقات نفعية لتزجية أوقات الفراغ، ثم يموت..وليس بعد الموت بعث ولا نشور ولا حساب ولا جنة ولا نار.. وقد انتقلت هذه "العدوى" إلى كثير من أبناء الإسلام فتأثر بها بعضهم وصاروا يعيشون ببرنامج العولمة وثقافة الاستهلاك.. وصارت ثقافتهم لا تؤمن بشيء اسمه التوكل على الله، وإنما "التوكل" على ما في البنوك وما في الجيوب وما في أيدي الناس، وما في السوق.. لتأمين الحاضر والمستقبل ولو بطرق غير نظيفة وغير شريفة، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة، وصار البعض – كما قال القرآن الكريم- "أحرص الناس على حياة" حتى وجدنا من يؤمًّن على حياته كي لا يموت، ويؤمن على عينيه لأنهما تشبهان عيني الممثل الفلاني..وصوته وجمال وجهه..ويوصي بأن يوضع –بعد موته- في مبردات عالية التجميد لعل التطور العلمي يكتشف أساليب مبتكرة لإعادة الروح إلى جسدها فيكون من بين المستفيدين بالعودة إلى الحياة الدنيا، وبالبعث قبل الأوان.: "سبحانك هذا بهتان عظيم".

ومع أنني لست ضد العلم والتطور، ولست – في الوقت نفسه- ضد التأمينات الاجتماعية المشروعة والمعقولة، إلاّ أنني أرفض هذا اللهاث المخزي وراء سرابات العولمة إلى درجة تصل بصاحبها إلى إسقاط عقيدة التوكل بضوابطها الشرعية من حساب الحاضر والمستقبل لاعتبارات كثيرة يتقدمها اعتبارات كبيران :

الأول هو، واجب الأخذ بالأسباب : فالأخذ بالأسباب هو التوكل المشروع، ذلك أن الله تعالى أمرنا أن نؤمن به جلّ جلاله، وأن نسلّم بالقضاء والقدر، وأن نعمل بإخلاص وصواب كل عمل شريف.. ثم نأخذ بالأسباب المشروعة، معتقدين أن الأخذ بها هي عبادة وقربى، وليس الأخذ بالأسباب شرطا لِحصول نتائجها كارتباط جواب الشرط بفعله، إذ لو كان ذلك قائما في سنن الله ما مات طبيب ولا ختمت حياة صيدلي بسكتة قلبية وصيدليته تعج بكل أنواع الدواء والمنشطات..فالأطباء يموتون كما يموت عامة الناس، وقد قال الشاعر:

قل للطبيب تخطفته يدُ الردى *** يا شافي الأمراض من أرداك

- والثاني هو، عقيدة التوكل على الله، بالعمل ثم الاعتقاد بأن العطاء والمنع من الله والرفع والخفض بيد الله..وأنه لا ينفع حذر من قدر، فالتوكل لا يمنع رد القضاء، والتأمين على الحياة لا يرد الموت..ذلك أن كبار المشاهير وقوارين المال الذين أمَّنوا على كل خلية من خلايا أجسامهم – بما في ذلك الأظافر والشعر- ومع ذلك لاقوا حتفهم في أبشع النهايات المأساوية دون أن تنهض مؤسسات التأمين "بواجب" حمايتهم من هذه النهايات المؤسفة. لأنها أعجز من أن تضمن لهم ذلك، فالموت والحياة بيد الله : "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" فلماذا هذا الهوس..ولماذا كل هذا الوسواس القهري؟ بل أين عقيدة التوكل على الله والأحذ بالأسباب؟ وأين المناعة الإيمانية المكتسبة؟ وهل تمت "عولمة" العقائد بعد عولمة الشرائع؟ لنعترف صراحة أن مخزوننا الإيماني بدأ يتآكل على حساب عقيدة التوكل، وإلاّ متى كان الإنسان متحكما في دقائق مستقبله بالتفاصيل والدقائق حتى يخاف منه؟ ومتى كان الإنسان صانعا لماضيه حتى يأسف عليه؟ ألم ينهنا ربنا تبارك وتعالى عن المبالغة في الفرحة بما نناله من خير، بمثل ما نهانا عن المبالغة في الحزن على ما فاتنا، أو ما أصابنا من شرّ؟؟ ألسنا مأمورين شرعا بأن نتحرى الصواب بعد إخلاص النية لله، ونتلمس الأسباب ثم نترك النتائج لخالق الأسباب والمسببات؟ ألسنا من المخاطبين بقوله تعالى : "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" هل مازلنا نثق في أن ذكر الله شفاء أم أنه لم يعد مطمئنا للقلوب أم أن "بطاريات" الإيمان قد تمّ تخريبها بالجشع والطمع.. فلم تعد صالحة للشحن بتخزين شحنات إضافية من الإيمان المانع من القلق والهوس؟؟

إن العلاج المثالي لظاهرة فقدان المناعة الإيمانية وضعف عقيدة التوكل على الله –بعد تجديد الثقة في الله- هو التركيز على طهارة اللحظة التي يعيشها الإنسان (أي الحاضر) النظيف والاشتغال، الواثق بالله، بما يستطيع الإنسان أن ينجزه الآن لتوفير ما يمكن توفيره، بعفة وشرف، من إمكانيات العيش الرغيد وأحاسيس الأمل السعيد من داخل النفس دون أن تسيطر على الإنسان مشاعر الأسف على ما فات أو الخوف مما هو آت:
- فالماضي مضى وانتهى ولم تبق إلاّ صوّره وذكرياته، وعليك أن تستفيد منها بالتوبة النصوح لاستخلاص دروس الفكاك مما كان سيئا حتى لا تتكرر الأخطاء نفسها، وإدراك أن الحسنات يذهبن السيئات، وشهر رمضان فرصة للتوبة وتجديد الحياة وتطهيرها من الذنوب وتخليصها من العيوب : و"التائب من الذنب كمن لا ذنب له".
- أما المستقبل فقادم كما أراده الله دون إذن منك، ومهما حاولت تبديل مجراه فلن تستطيع تغييره، إنما أنت تملك أن "تكيف" نفسك إيجابيا مع أحداثه وتتفاعل إيمانيا مع قضاء الله وقدره (صبرا وشكرا) حتى لا يكون وقعه عليك شديدا فلا تطيل الحزن على ما فات، ولا تبالغ في الفرح على ما أتاك "فلله ما أعطى ولله ماأخذ" وما بعد العسر إلاّ اليسر.. ولنفرض، على سبيل المثال، أن والديك على قيد الحياة وأنت تنعم في ظلهما بالعيش الرغيد ولكنك تدرك أن لحظات السعادة سوف يقطعها سيف "هادم اللذات ومفرق الجماعات" كما تقول النصوص، فلماذا تغرق نفسك في مواجهة هذه المشاعر السلبية المتناقضة وتحرم نفسك من أن تعيش لحظات السعادة؟ لماذا تضع يدك على قلبك رهبة مما سوف يحدث بدل أن تعيش لحظات حياتك السعيدة معهما تاركا منغصات المستقبل إلى يوم حدوثها طالما أنك لا تملك دفعها ولا تستطيع تأخيرها ولا تقديمها، لأنك لا تمسك بمقود قطار الحياة وليست مكابح الشر تحت قدميك..؟؟

في الحلقة الثانية نضع بين يديك خمسة (05) نماذج لأفراد حكم عليهم بالإعدام فطلب كل واحد منهم طلبا غريبًا للدلالة على أن الوسيلة التي سوف يموت بها الإنسان ليست ذات أهمية وإنما الأهم انه مات في سبيل ماذا!؟ وما هي آثاره بعد موته.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى