عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة (الحلقة الثانية)

اذهب الى الأسفل

عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة (الحلقة الثانية)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 8:56 am




خلاصة الحلقة الأولى (01) : عرضنا مخاطر ضعف عقيدة التوكل، وأشرنا إلى أن العولمة قد نمطت الثقافة الاستهلاكية لدى جميع الناس، فصار التوكل على البنك والجيب والناس..وليس على رب العالمين، وأكدنا أن تعديل هذا السلوك واجب شرعي في كل الأحوال وهو في شهر رمضان أسهل وأيسر لما في هذا الشهر من خيرات وبركات، وتوقفنا عند وسطية الحزن والفرح، ودعونا إلى "التكيف" الإيجابي مع اللحظة، فالماضي فات والمستقبل بيد الله.






تأمل هذه المواقف الخمسة (05) لخمسة نماذج من الرجال عاشوا في أزمنة متباعدة وأمكنة متنوعة، صدر في حق كل واحد منهم حكم بالإعدام وقبيل لحظات التنفيذ سُئل كل واحد منهم عن آخر أمنية يطلبها فتوزعوا كالآتي :

1- زوجوني : طلب، في آخر لحظة من حياته أن يزوجوه بامرأة كان يحبها ويتمنى الارتباط بها، ولكن ظروفه لم توفر له فرص إتمام هذه الرغبة..فجاؤوا بمن أحبها قلبه وأحبته ووافقت هي على الارتباط بوهم سوف يُعدم بعد لحظات، وعُقد القران بينهما ثم أعدم الزوج،وخرجت الزوجة الأرملة باكية لتعيش حياتها أرملة في حين تم تنفيذ حكم الإعدام ضد العريس الذي عاش بضعَ دقائق سعيدا بزواجه؟؟
2- أصلي ركعتين : طلب السماح له بصلاة ركعتين قبل إعدامه، وفُك وثاقه وجيء له بالماء فتوضأ وذكر الله واستغفر واسترجع وصلى ركعتين مطمئنتين ودعا ربه، بما يعلم أنه ينفعه في هاته اللحظات، ثم سلم رقبته للجلاد، بعد أن عاش لحظات إعادة الربط بالأصل.
3- أدخن سيجارة : كان الرجل مدمنا ولم يستطع أن يودع هذه الحياة قبل أن يكون آخر عهده بها إحراق لما بقي له من رئتيه بنفس عميق من دخان كان لا يريد أن يخرج من صدره قبل أن تزهق روحه؟؟ ودخن سيجارته الأخيرة وسلم رقبته للمشنقة..
4- أرى القاضي : طلب أن يرى القاضي قبل إعدامه..وجاءه القاضي الذي نطق في حقه بالإعدام ووقف بعيدا عنه فنظر إليه جيدا وقال له : "أؤكد لك الاعتراف بأنني مجرم وأستحق أكثر من إعدام واحد، ولكني أعرف أنه لو فتحت ملفاتك يا حضرة القاضي لكان مصيرنا واحدا" ونفذ فيه حكم الإعدام..والتحق به القاضي بموت طبيعي ولكنه أقسى على النفس من إعدام مريح؟؟
5- الرصاص بدل الغاز : هو موت واحد، ونهاية واحدة ولكن الرجل أراد أن يختار الوسيلة التي تنتهي بها حياته فاختار أن يتم إعدامه رميا بالرصاص بدل اختناقه في غرف الغاز، ولكن هذه الأمنية لم تحترم لأن الجرائم الفظيعة التي ارتكبها في حق المجتمع يترتب عنها إنهاء حياته بهذه الكيفية، ونفذ فيه حكم الإعدام بالغاز بدل الرصاص الذي طلبه ، وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟؟ وقد قال الشاعر :

من لم يمت بالسيف مات بغيره *** تعددت الأسباب والموت واحد.

وقد انتهت حياة هؤلاء الخمسة (05) نهايات مختلفة في "الخاتمة" التي اختارها كل واحد منهم دون أن يعلم أحد أن النهاية – مهما تفننا في اختيارها- هي في النهاية خاتمة يجب أن تنجز فيها خير الأعمال تحقيقا للدعاء المأثور : "واجعل خير أعمالنا خواتمنا".

ومعناه : ألاّ تفكر في الوسيلة التي سوف تموت هبا أو السبب الذي قد يرديك قتيلا، وإنما فكر في ماذا تقدم للبشرية من خدمات قبل موتك؟ وماذا تترك وراءك من أثر؟ وكيف تكون لك رسالة في هذا الوجود؟ وكيف تحسّن علاقاتك بالله تقوى، وبنفسك توبة، وبالناس خلقا حسنا..والباقي هو غيب على الله جلّ جلاله الكشف عنه بما يشاء وكيفما يريد.. لأنها أمور خارجة عن الإرادة البشرية، ولأنها من قضاء الله وقدره.

أنا شخصيا لا أكترث كثيرا بما هو من قضاء الله وقدره لأنه واقع لا محالة، وإنما أهتم بما أستطيع عن طريقه أن أضيف إلى مرارة الحياة ملعقة من عسل الاطمئنان تحوّل عصير حبة الليمون الحامضة إلى شراب حلو المذاق، وذلك أمر ممكن في هذه الحياة الدنيا مهما كانت مرارتها ومهما اشتدت "حموضة" أيامها وسواد لياليها..تبقى دائما فسحة للأمل إذا قام الإنسان بوضع الحامض في كأس بللور نظيف وصب عليه شيئًا من الماء البارد وأضافت يد التفاؤل عليه ملعقة سكر أو عسل وخلط كل ذلك خلطا لطيفا بأمل الحياة.. ليصبح شرابا حلوا باردا مفيدا فيه لذة للشاربين.. بدل التأفف من حموضة الليمون؟؟

إن تحويل حبة ليمون حامضة إلى شراب حلو لذيذ هو التحدي الطبيعي الذي يجب أن يعتصم به الإنسان الإيجابي إذا أراد تنمية مناعته الإيمانية المكتسبة حتى لا تكون عرضة للموت أو للإتلاف إذا استسلم صاحبها للقلق والتقزز..إذا كان حقا يؤمن بالله واليوم الآخر..وكان يدرك يقينا أن التوكل على الله يعني التسليم لمشيئته مع الأخذ بالأسباب والبعد عن التشاؤم والقنوط..حتى لا يفقد مناعته الإيمانية.

عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة ضد المخاوف والمخاطر والأوهام..فإنه يفقد معها ثلاث درر ثمينة لا يمكن أن تعوضها كنوز الدنيا ولو جُمعت بين يديه، لأنها غير قابلة للبيع وليست مجال مساومة أو مقايضة :
- أولها، يفقد عقيدة "التوكل" التي بوجودها يُفوض المؤمن أمره لله بعد أن يأخذ بالأسباب مع إخلاص نية وسلامة قصد وصواب توجه..
- وثانيها، إهتزازعقيدة التسليم بقضاء الله وقدره، بعد أن يسأل الله اللطف فيهما لأنهما جاريان بما جرت به المقادير..فلا راد لقضاء الله، ولكن التخفيف ممكن بالدعاء والعمل الصالح ورضي الوالدين..الخ.
- وثالثها، ضياع راحة النفس وطمأنينة البال اللتين يهما يزداد الإيمان وتترسخ في أعماق القلب مشاعر التسليم الإيماني، بما كتب الله للإنسان في هذه الحياة، فيفوز بالطمأنينة الكاملة : "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

وهل يعيش المؤمن إلاّ بهذه الجواهر الثمينة (توكلا، وتسليما، وراحة بال)؟ وهل كانت المناعة الإيمانية المكتسبة شيئا آخر خارج التوكل والتسليم والطمأنينة؟ ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "وجعلت قرة عيني في الصلاة"؟

شهر رمضان يجيبك عمليا عن كل هذه التساؤلات لأنه شهر تصفد فيه الشياطين ويترك الله تعالى العبد يصارع نفسه (شهوة وشبهة) فإذا انتصر عليهما تحوّل من فاقد لعناصر المناعة المكتسبة إلى "مؤمن حقا"، أما إذا رسب في اختبارات الرحمة المغفرة والعتق من النار..فأنه سوف يقع في ما هو أشنع من اهتزاز عقيدة التوكل، وهو الخوف من الخوف.

في الحلقة الثالثة نعرض فكرة الخوف الوهمي الذي ينتشر في خواء الروح فيحول حياة الإنسان إلى جحيم، ويجعل الإنسان عدو نفسه يعذّ بها ويحولها إلى حالة من الهوس ترى كل شيء مظلما ومستفزا للمشاعر..عندما يفقد حلاوة الاستمتاع بمعية الله.

فإلى اللقاء في الحلقة الثالثة
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى