عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة (الحلقة الثالثة)

اذهب الى الأسفل

عندما يفقد المسلم مناعته المكتسبة (الحلقة الثالثة)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 8:58 am



خلاصة الحلقة الثانية (02) : عرفنا أن "معنويات" الإنسان هي التي تصنع عالمه الداخلي، وأنه بمعنوياته يستخف من حكم الإعتدام لأنه يدرك أنه ميت لا محالة وأن العبرة بالخواتيم، "ومن لم يمت بالسيف مات بغيرة، تعددت الأسباب والموت واحد".




ووجهنا الإهتمام إلى عدم التأفف من حموضة الليمون والعمل على تحويلها إلى شراب منعش لذيذ بعصر الليمونة في كأس بللوري وإضافة شيء من الماء البارد والسكر المسحوق..فالحياة ليست حامضة إنما الحموضة داخل نفسك.

بعض الناس يعتقدون أنهم يحملون فوق رؤوسهم السماوات السبعة، وأن الأمطار لا تسقط إلاّ إذا كانوا هم بحاجة إليها، ولا تشرق الشمس عليهم إلاّ في الوقت المناسب لهم، وليس من حق أحد أن يفرح إذا كانوا هم حزانى ولا يليق بأحد أن يحزن إذا كانوا هم فرحين..فساعة الزمن مضبوطة على مزاجهم، ومن خالف ذلك استفز مشاعرهم ودفعهم – في نظر أنفسهم- إلى إرتكاب حماقات خطيرة تصل ببعضهم إلى المعاداة الدائمة أو "فوبيا" الأشياء التي نُسميها "الخوف من الخوف".


الخوف من الخوف : هناك مرض خطير وفتاك يسمونه الخوف من الوقوع في الخوف، وكثير من الناس مصابون بهذا النوع من "الفوبيا" رغم علمهم أن هذه الحياة أتفة من أن "نحرق" أعصابنا من أجل تأمينها لأمور زائلة وماديات حائلة..حتى لو ضاع منك مال الدنيا كلها، فجمال الحياة ليس مرتبطا عادة بتوفر الجوانب المادية، فالسعادة ليست "ماديات" وحسب فالمال قد يعبّد طريقا للعيش الرغيد ولكنه لا يفتح لأصحابه باب السعادة.. وراحة البال لا علاقة لها بكواكب السماء ولا بنجوم السنما، وكل القيم الجميلة في هذا الكون هي قيم ثابتة – مهما أنكرها الناس- وهي غير قابلة للبيع ولا للمقايضات، لذك ليس كل شيء – في هذه الدنيا- يستحق أن نتوقف عنده؟ وليس كل شبح يلوح في ظلمة الليل يدفعنا إلى الخوف والهلع؟ وليس كل كلب عوى يحتاج أن نرد عليه بحجر؟ والإنسان لا يولد خائفا كما يزعمون (يصرخ عند نزوله من رحم أمه صرخة الحياة ويخرج من الدنيا إلى الآخرة وهو يطلق صرخة الموت) لكن طبيعة الحياة مشدودة إلى طرفي الخوف والرجاء، وبالحب يصبح الخوف أملا والرجاء يقينا، وبالحب يعرف الإنسان حقيقة العبادة وحلاوة الطاعة وسعادة الخضوع لله تعالى و"قرة عين" المصلين في السجود..إذا أدرك الإنسان سر ما خلق لأجله..لقد خُلقنا لأداء رسالة والعيش لقضية وما خُلقنا لنجمع الدنيا ونكدسها ثم نتركها وراءنا جميعا ونحاسب عليها جميعا؟

لعل الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يتسبب في "تعذيب نفسه" بأمور لا صلة لها بحياته، وهو الوحيد الذي يحب أن يعذَّب بها لأنه يحب أن يتحدث الناس عنه بخير، في حين يريد أن يتحدث هو عن الناس وعن كل من حوله بسوء ويوجه للحياة كل عبارات النقد والتقزز، وهو يعلم أنها لن تتغير بنقده ولن تتأثر بما يجعله هو ناقما عليها لأنها لا تعمل وفق ما يحب، ولا يملك الإنسان إلاّ أن يتكيف معها بما يُرضى الله تعالى ويريح ضمير هذا الإنسان الناقم على كل شيء : الخير والشرّ والحلو والمرّ..، وهو يدرك أن ما خلق الله ليس خاضعا لمشيئة الناس وأن الدنيا ما خلقها الله إلاّ ابتلاء للخلق، و"ساعتها" ليست مضبوطة على مزاج دقات قلوبهم..ولكن بعض الناس يزعجهم الصيف بحرّه والخريف بصرّه والشتاء بقرّه والربيع بزهره..
- يقابلك إنسان منقبض الوجه وهو غضبان ناقم على الدنيا وما فيها.. لأن السماء أصبحت ملبدة بالغيوم وهي تنبئ بتساقط الأمطار..وهو يريدها صافية لأنه ضرب موعدا مع أحدهم ونسي أن يحمل ممطرته..
- وتسمع جارك يصرخ ويهشم بعض الأواني على الأرض.. وزوجته تضرب بكعب حذائها على البلاط فوق رأسك..ولما تستفسر عن الأمر يأتيك الخبر بأن الزوج المحترم وجد الطعام مالحا وحرمه المصون تقول له إن الماء هو المالح..
- وثالث أقام الدنيا ولم يقعدها بسبب تأخر موعد الطائرة عن الإقلاع وهو يدرك أنها لم يسبق لها أن أقلعت أبدا في موعدها المحدد، ولكنه يحب أن يسمع كل من في المطار بأنه يستطيع أن يملأ الدنيا ضجيجا وهو يعلم –أكثر من غيره- أن ضجيجه لن يصلح حال الطائرة ولن يقنع الطيار بالانضباط، ولن يضبط مواعيد إقلاعها..وهلم جرا.

وما أبلغ ما نظمه إيليا أبو ماضي في مثل هذه العذابات البشرية التي تضيف إلى "اعوجاج" الدنيا – في نظر بعض الناس- اعوجاج الناس..ولو تركوها معوجة واستقامواهم لاستقامت الدنيا باستقامتهم إذ "كيف يستقيم الظل والعود أعوج"؟ وكيف تصلح الدنيا ويتغير حالها والإنسان غير صالح وحاله على هذه الحال؟ ولو تأمل قوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" لأدرك أن العيب فيه وليس في الحياة.. لذلك قال الشاعر معالجا لهذه المخاوف :

قال : السمـــاء كئيبة، وتجهمــــــــــــا *** قلت : إبتسم، يكفي التجهم في السمـــا
قال : الصبا ولىّ، فقلت له: ابتســــــم *** لن يرجع الأسف الصبا المتصرمـــا
قال : الليالي جرعتني علقمـــــــــــــا *** قلت : ابتسم ولئن جُرَّعت علقمـــــــا
فلعل غيــرك إن رآك مــرنمَّـــــــــــا *** طرح الكآبة جانبا وترنمــــــــــــــــا
أتُراك تغنم بالترنم درهمـــــــــــــــــا *** أم أنت تخسر بالبشاشة مغنمــــــــــا
فاضحك، فإن الشهب يضحك والدجى *** متلاطم، ولذا نحب الأنجمـــــــــــــا

إن الذي تؤثر فيه الغيوم، وتزعجه الرياح، وتستفزه الأمطار، وتقلقه الثلوج، وتحزن نفسه أمام مشاهد الغبار، والجراد، والنمل، والحرارة، والرطوبة، والصمت، والنطق، والهمس، والغمز، والانتظار، والسرعة، والبطء، والبعد عنه، والقرب منه..إلخ هذا النموذج من الناس هو عبء على الحياة، بل هو كائن ثقيل لا يصلح أن يعيش فوق هذه الأرض لأنه متصف بصفتين لا يطيقهما أحد :
- أنه كثير الشكوى من كل ما هو من مكونات الحياة مهما كانت جميلة،
- وأنه بشكواه لا يحل أية مشكلة لأنه هو نفسه مشكلة بحاجة إلى حلّ.

هذا اليائس من كل شيء، المنزعج من كل شيء، الخائف من كل شيء.. لا يصلح - كما يقول فقهاؤنا- لا للعادة ولا للعبادة، فهو مشتكي بلا داء..لأنه يريد أن تكون الدنيا كما يريد هو لا كما خلقها الله تعالى، فالصيف عنده حار جدا وهذا يزعجه، والخريف عنده غائم أكثر من اللازم وهذا يقلقه، والشتاء في نظره شديد البرودة كثير الأمطار والثلوج، وهذا يضجره، والربيع في رأيه ينبت زهورًا له ضدها حساسية، وهذا يدفعه إلى الاختناق، وإذا أقبل عليه الناس زائرين أزعجوه لأنه يريد أن يستمتع بالوحدة والجلوس إلى "أشيائه الصغيرة" أما إذا انقطعوا عن زيارته احتراما لمشاعره وتلبية لرغبته في عدم استقبال أي مخلوق فقد أهانوه ونسوه وقطعوا أرحامه و"تآمروا" عليه ليعزلوه.. فقام ينتقدهم ويكيل لهم مختلف التهم ويجمع لهم الصغائر والكبائر..ويرميهم بكل ما تقع عليه يداه..
وما أبرع الشاعر عندما وصف حال هذه النماذج البشرية فقال :

أيها المشتكــي، ومــــا بـــك داء *** كيف تغدو، إذا غدوت عليــــــــلا
إن شر النفوس نفس يـــــــؤوس *** يتمنى، قبل الرحيل، الرحيــــــــلا
ويرى الشوك في الورود ويعمى *** إن يــرى فوقها الندى إكلــيـــــــلا
هو عبء، على الحيــــــاة، ثقيل *** من يرى، في الحياة، عبئًا ثقيــــلا
والذي نفســــه بغيــر جمـــــــال *** لا يرى، في الوجود، شيئًا، جميلا

في الحلقة الرابعة نضع بين يديك نموذجا رائعا من نماذج التربية بالمداعبة (وقد سميناها (تربية الكبار) نقل من خلالها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حياة شاب مهموم باليتم وبتربية أخواته وبشظف العيش..من هذه الحال المقاوِمة للمناعة الإيمانية المكتسبة لضغوط الحياة، إلى متوثب لجمالها مستمتع بحلاوة ما أعانه به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليعيد اكتشاف رصيده من الإيمان.

إلى اللقاء في الحلقة الرابعة.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى