محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (02)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (02)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 9:19 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (02)
خلاصة الحلقة الأولى: عرفنا في الحلقة الأولى أن المجتمع الجديد الذي تشكل بين فتح مكة وغزوة تبوك قد حملت إليه "موجة الفتح" نماذج جديدة من الناس لم تصقلهم التربية ولم يندمجوا كلية في محاضن الدعوة فتشكل منهم مجتمع مختلط من أهل المروءة والوفاء، ومن الذين حملتهم عطايا "المؤلفة قلوبهم" ليقبلوا على الإسلام رغبا ورهبا..فتشكل منهم جميعا مجتمع جديد يشبه الفسيفساء، وهو المجتمع الذي احتاج إلى إعادة تأهيل.





صفات رجال الصف الأول

أمام هذه "الفسيفساء" الاجتماعية المتنامية والآخذة في الإتساع، كان لابد من اتخاد خمس خطوات ثقيلة على النفس البشرية ولكنها لازمة لإعادة الأمور إلى نصابها حتى تتماير الصفوف وتتحدد المواقع قبل أن يفضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى ربه ويترك الصف مدخولا أو غير متناغم.. فيتطاول على رجال الصف الأول كل من كان يضمر الحقد على القيادة أوالحسد لهذه الدعوة ورجالها، ومن كان يتقرب من مؤسسيها ورموزها وقدواتها، ومن كان قد "سلم" أو استسلم كارها بانتظار هبوب رياح تحمله إلى مواقع القيادة فيشتت شملها ويثأر لماضيه.. ولو استعان على ذلك بالفرس والروم..

كانت هذه الخطوات الخمس في غاية الوضوح والصدق والصّرامة، لقد كانت إيذانا صريحا بنهاية مرحلة التسامح السائب والتعاطف المشجع على التهاون والعفو الذي يفتح الباب أمام العابثين بالمشروع وأهله:
- حدد موقعك : لقد إنتهى زمن الحياد، وعلى كل فرد أن يحدد موقعه بدقة وقوة وصفاء..ووضوح، فالوقوف في الصف الأول له ضريبة إضافية.
- لا عذر لرجال الصف الأول : لا أحد يعذر بعد اليوم، خاصة من رجال الصف الأول، إلاّ أصحاب الأعذار الشرعية (أعمى، أعرج، مريض..)
- الالتزام نفقة وبدل : كل فرد يزعم أنه يقف في الصف الأول يتم اختباره بما عنده من مال لتعرف القيادة مدى استعداده للتضحية وقدرته على وضع ماله لخدمة الدعوة والرسالة
- الالتزام جد : كل مزاح أو خوض أو لعب..يجب أن يتوقف، فالأمر جد "والأمة المجاهدة لا تعرف إلاّ الجد".
- الزمن كشاف : إذا التزمت بالفكرة والمبدإ فهيئ نفسك لكل المواقف الصعبة بما في ذلك النفير العام، وكل متخلف يتحمل مسؤوليته إذا فضحه القرآن الكريم وكشف "حقيقته" التي سترها عن الناس خوفا أو طمعا أو تراخ أو كسلا..فلا عذر لأحد..بعد اليوم .

بهذه الخماسية الذهبية الصارمة تباينت المواقف الحاسمة بين مشكك، ومرتاب، ومتحرج، ومشفق، ومتردد، ومتسلل، وحالف بالكذب..في مواجهة من هو عازم، وصادق، ومتيقن، ومضح، وبائع نفسه لله تعالى، لذلك جاءت الآيات، التي سبقت بداية التحرك نحو تبوك، صارمة وقاطعة ومعبئة وحاشدة ومذكرة بالبيعة وحاثة على النفرة ومحذرة من القعود خلاف رسول الله.

وقد يتساءل البعض اليوم : لماذا كل هذه "المحاصرة" التربوية لأفراد الصف الأول ، وقد انتشر الإسلام وكثر عدد معتنقيه ودانت لله تعالى الجزيرة العربية كلها بعد غزوة حنين؟ وما سرّ هذا الضخ المركز للآيات المتوعدة للمخلفين والمهددة للمتلاعبين والفاضحة للمنافقين، والمبشرة للصادقين؟ وهل بعد أن نصر الله تعالى دينه في المغازي كلها، وكلّل كل تلك الانتصارات بفتح مبين..تحتاج الدعوة الإسلامية إلى كل هذا الحشد من آيات التهديد والوعيد؟ وهل مجتمع ما بعد الفتح يختلف عن المجتمع الذي صقلته المحن بين الهجرة ويوم الحديبية؟

والجواب في منتهى الوضوح والدقة :
لقد كاد النفاق أن يختفي في مجتمع المدينة المنورة بعد الهجرة وقبل فتح مكة، وصارت أسماء المنافقين محدودة ومعروفة من خلال الصفات التي نزلت في الكتاب آيات محكمات ومن خلال إشارات الأحاديث الشريفة، لكن –وبمجرد أن فتحت مكة وأسلمت هوازن وثقيف، يوم حنين، اتسعت دائرة المجتمع الإسلامي لتستوعب ثلاثة أصناف جديدة من الناس "انفتحت عليهم" دائرة الإسلام فدخلوها بغير مؤهلات تربوية وبغير انضباط تنظيمي، والتحقوا بمؤسسات الدولة بصفات قيادية، فمنهم :
- سادة كانوا في أقوامهم هم الرؤوس الآمرة الناهية
- وقادة كانت لهم في دنيا الكر والفر صولات وجولات
- وأصحاب مصالح استسلموا حفاظا على مصالحهم بانتظار جولة قادمة !؟

هنا، كان لابد من فصل جديد من فصول التربية المرافقة لحركة الانفتاح، تربية تكميلية تتم من خلالها عمليات تأهيل ودورات "غربلة" تربوية تعيد وضع كل فرد في مقامه المناسب، والفرز التربوي لا يتم –في مثل هذه الحالات- داخل الإدارة أو على أساس الكفاءة الخطابية أو الفصاحة اللسانية أو القدرة على المداورة والمناورة والمبادأة والمبادرة، أو على أساس من يدفع أكثر أو من يتقرب من رسول الله أكثر (فقد طلب ابن سلول جبة رسول الله فأعطاه إياها ليُدفن فيها ومع ذلك لم يتبوأ منازل القيادة، مع أنه كان يعتقد نفسه واقفا في الصف الأول!؟).

إن الفرز القيادي هنا يشترط –بعد البيعة النظرية ببسط اليد والنطق باللسان- "بيعا" شاملا يشبه الصفقة عن تراضي بين المبايع (وهو المؤمن الصادق) والشاري (وهو الله تعالى) وهي صفقة فيها بائع وشاري وسلعة مقبوضة وثمن مقدم وثمن مؤخر ووعد محقق ووفاء تام وبشرى مؤكدة وفوز عظيم..وكل ذلك مربوط بتسعة شروط لابد أن يوفرها كل من يرغب في البيع الخاص الصادق لله، بعد البيعة العامة (على السمع والطاعة ولزوم الجماعة..إلخ) إذا كان عازما حقا على الانتساب لمدرسة الذين بنوا المجتمع النموذجي الأول، وله رغبة صادقة في التعاون مع المحاولين إعادة بناء المجتمع الإسلامي، أو المساهمة في إعادة إخراجه بنفس خطوات الإخراج الأول، الموصوف بالخيرية : "كنتم خير أمة أخرجت للناس"، وهو موضوع الإخراج الثاني في "طبعة جديدة" سوف تتم بنا أو بغيرنا لأن الله وعد الأمة بذلك وهو لا يخلف الميعاد : "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"، والفرق واضح بين "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه" وبين بقايا من ذراري المسلمين.

3- ذراري المسلمين : يؤسفني أن أندب حظ هذا الجيل الذي يحلم بإعادة بناء مجد الإسلام دون أن يدفع الثمن، وأسفي أكبر عندما يتهم بعض ذراري المسلمين أصحابَ المروءات بأنهم "باعوا" دينهم للعباد، وأكبر من هذين الأسفين أن يتصدر مجالس التحدث باسم الإسلام ومنابر "الناطقين الرسمين" باسم المجتمع المسلم "ذراري" دخلوا في الإسلام كما دخل "الطلقاء" يوم فتح مكة.. كل زادهم أنهم حفظوا آية ورووا حديثا وتصدروا مجلسا، وناداهم عامة الناس باسم العلماء والشيوخ والدعاة ورجال الصف الأول.. وقد يغتر أحدهم بهذه الألقاب فيتصدر مجلسا أو يكوّر بعضهم فوق رأسه عمامة أو يرسل لحية يخيف بها الناس!؟

إن جيل إعادة البناء يجب أن يكون هو نفسه جيل بداية البناء، بنفس الصفات ونفس العزيمة والمضاء.. هو جيل البيع والمبايعة، قبل أن يبدأ الزحف نحو تبوك، وقبل أن تعجب الناس كثرتهم يوم حنين، بل قبل أن تتميز مستويات الإيمان يوم يدعو الداعي إلى نصرة دين صار يتيما في دياره..دين عظيم ولكن ابتلاه القرن الواحد والعشرون بمصيبتين :
- مصيبة جهل أبنائه بحقائق هذا الدين ومقتضياته ومقوماته
- ومصيبة عجز علمائه عن التحرك به في واقع الناس (قدوة) وعملا وممارسة وليس مجرد خطب حماسية من فوق المنابرأو كلمات صفراء باهتة مسجوعة تذكر بأيام "من عاش مات..ومن مات فات"
وبين جهل الأبناء بحقيقة هذا الدين وعجز العلماء عن صناعة القدوة وقيادة الناس.. تصدر المجالس ذراري من أبناء المسلمين يتهارشون على المختلف فيه، وهو قليل كثروه بخلافاتهم، ويتركون المتفق عليه، وهو كثير تفَّهوه بسوء تمثيلهم وضحالة تعليمهم وضعف تأهيلهم.

لقد أفهم القرآن الكريم الناس جميعا وخاطب الحشود المتوثبة إلى نصرة الإسلام – قبل أن ينطلقوا إلى غزوة تبوك- أن الله لا يريدهم أن يحاربوا بني الأصفر لأنهم "روم" بل لأنهم ظلموا الحق وبسطوا نفوذهم على الناس، بمن فيهم العرب، ومنعوهم من التواصل مع رسالة السماء، ولأجل ذلك كان لابد أن يفهم كل خارج من المدينة المنورة (أو من أي بقعة في هذه الأرض باتجاه تبوك الأولى أو باتجاه تبوك الثانية والثالثة..) أنهم ما خرجوا لدنيا يصيبونها أو امرأة يتزوجونها، وإنما أخرجهم ظلم الروم للناس ولأنفسهم، وأنهم –بهذه الصفة- بحاجة إلى "يتطهروا" قبل خروجهم من شهوات قلوبهم ومن شبهات عقولهم، ومن عثرات الطريق، ولن يتم ذلك إلاّ بتجديد بيعة لله وحده لا شريك له، وقبول "صفقة" رابحة مع الله جلّ جلاله..بيعة عامة و"صفقة" خاصة لا تتركان لصاحبهما شيئا من متاع الدنيا، لأن الله "لا يشتري" من عباده "تقسيطا" وإنما يشتري "جملة" تحوّل كل ما عندك إلى ما يريد الله أن يستخدمه فيه.

ولكي تدرك هذه الحقيقة التي غابت عن ذراري المسلمين اليوم، فعليك أن تفقه –بعد فقه سورة الصف- هذه الآيات المزلزلة :
"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة" فالله اشترى من أهل الإيمان النفس (كل النفس) والمال (كل المال) مقابل الجنة (وقد ربح البيع)، وما دام البائع قد سلم "البضاعة" لصاحبها (وهو مالكها قبل البيع وبعده) فإن التصرف فيها يصبح من حق المالك جل جلاله، وأنت مجرد منفذ للفعل بشروطه وضوابطه : "يقاتلون في سبيل الله" واحذر أن تفهم معنى "سبيل الله" فهما سقيما، "فيقتلون ويقتلون" في سبيل الله نصرة للدين وإقامة للعدل في الأرض بشروطه وضوابطه، وعندئذ يأتي وعد الله الذي لا يتخلف ولم يتخلف في التوراة، والإنجيل، والقرآن، والله لا يُخلف ميعاده، ولك البشرى بهذا البيع الرابح : "وذلك هو الفوز العظيم".

ولن يقبل الله من عبد "سلعة" بائرة أو خائرة أو جائرة..لن يقبل –في هذه الصفقة- سلعة ليست ممهورة بتسعة أختام طاهرة، فإذا تخلف ختم واحد منها صارت سلعة مغشوشة في أصلها مقلدة في هيئتها بائرة في سوق البشْريات : "وبشر المؤمنين" بشر الذين وفروا من أنفسهم أعلى درجات القبول عند الله، لأن الله لا يشتري من بشر "سلعة" بمواصفات الرداءة ولو كان ظاهرها ممهورا بالجودة والكمال، إن سلعة الله مختومة بتسعة أختام : ختم التائبين، والعابدين، والحامدين، والسائحين والراكعين، والساجدين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والحافظين لحدود الله.

ولست بحاجة إلى شرح هذه المعاني لأن الراغبين في التجارة مع الله يعرفونها ويعرفون الثمن الذي دفعوه من أجل تحصيلها والثمن الذي سوف يقبضونه يوم القيامة، فهل يبقى بعد هذا البيع مجال للتردد والتذبذب والخوف والسؤال؟ وهل يليق بمن بايع وباع أن يتراجع إذا لاحت له بوارق الموت أو يتهاون إذا عافسته ربات الحجال؟

هذه هي الصورة التي رسمها القرآن الكريم لجند الإسلام وهم يتأهبون لمواجهة بني الأصفر (الروم)، وهي صورة المجتمع الأول، في صفه الأول، المتكون من صفوة من الرجال صفت سرائرهم وسمت أنفسهم حتى لم يبقوا لأنفسهم شيئا من متاع هذه الدنيا يأسفون عليه، ولكن خرج معهم إلى غزوة تبوك – من داخل صفوفهم- حديثو عهد بجاهلية، وفيهم سماعون للمرجفين، وفيهم من يخاف أن ينفر في الحرّ، وفيهم من يزعم أن بيته عورة..إلخ، وعندما تتجمع كل هذه النماذج من البشر في مجتمع واحد يتطلع إلى بناء "نموذج" فإن الأمر يصبح بحاجة إلى فرز وإعادة تأهيل.

لقد حدثت في غزوة تبوك طرائف مربية، نحتاج جميعا إليها اليوم لتصحيح مساراتنا، وتقويم سلوكاتنا، وتهذيب أخلاقنا، وتجديد حياتنا وتقوية إيماننا، وإعادة ترتيب كل أوراقنا الإيمانية والتنظيمية والدعوية والسياسية..لتحديد مفاهيمنا الأساسية حول الصحبة، والدعوة، والتربية، والقيادة، والجماعة، والواقع، والمجتمع، وسائر العلاقات التي تربطنا بالله وبأنفسنا وبالناس، وحقيقة رسالتنا في الوجود. فغزوة تبوك لم تكن مجرد معركة انتهت بنهاية أحداثها، بل هي "مدرسة تربوية" ماضية فينا وفي كل منتسب لهذه الرسالة حتى تقوم من جديد في النفوس وفي الواقع، وكل ذلك صار من "الزاد" الذي نحن أحوج الناس إليه إذا كنا نحاول إعادة بعث المجتمع الأول إلى واقع الوجود بنفس المواصفات التي تمت بها صياغة الجيل الأول.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى