محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (06)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (06)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 9:33 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (06)
خلاصة الحلقة الخامسة : تناولنا في حديثنا عن الدروس المربية ثلاثة معاني تربوية هامة، أولها : الحرص على نقل الخير للناس وإيثار ما في قلوبهم على ما في جيوبهم، وثانيها العمل على حمل الناس على الإسلام ولو اقتضى ذلك تأليف قلوبهم بما يحبونه من خشاش الأرض ومتاع الدنيا، وثالثها الدفع بالحسنى لقيادة الناس إلى عالم الخير والمروءة بما تحبه النفوس وتهفو إليه القلوب، وقد وقفنا عند معنييْن كبيرين هما : صلة الأرحام وعلاقة ذوي القربى، وحرص الناس على افتكاك حقوقهم ورفض التنازل عنها ولو كان المقابل إسلام قبيلة بكاملها بحجم قبيلة هوازن، وربطنا كل ذلك بالإيثار.





قدوة في مدارس الإيثار

د- كن تلميذا في مدرسة الإيثار : الدرس الثالث والأخير –قبل أن نمضي إلى تفحص لبنات بناء المجتمع المسلم- هو الدعوة إلى التتلمذ في مدرسة الإيثار التي نعتقد أنها أغلقت أبوابها منذ أن دبت في الأمة الإسلامية الواهنة فقلّ عدد المنتسبين إلى هذه المدرسة أو زهد فيها المؤثرون القدامى فصاروا محبين للدنيا كارهين للموت، فأردنا أن نعيد فتحها أمام أفاضل الرجال والنساء لينهلوا من دروسها النبوية الآسرة.

وقبل الإعلان عن فتح أبواب هذه المدرسة القرآنية تحت شعار: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" نريد أن نقف وقفة تربوية أخرى أمام هذا المشهد التربوي المحرج الذي كابد لحظاته الصعبة صحابة رسول الله (عليهم الرضوان) وكان لهم درسا قاسيا تم اختبارهم به فاجْتازوه بامتياز إلاّ رجلا واحدا رسب بسبب المبالغة في حرصه على أخذ "حقه" من الغنائم التي اعتقد أنه تعب من أجلها وافتكها بعرقه وسيفه من أصحابها عندما وقف هذا "التلميذ" مع الصحابة وهم ينظرون إلى ما أفاء الله به عليهم يوم حنين:
- وهاد الجعرانة مليئة بالغنائم والأسرى والسبايا بانتظار التقسيم
- الوفود تتوالى على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تستعطف..وتسْلم
- النفوس تحدث أصحابها بما هو من حظها من الغنائم وهي كثيرة ومغرية.
- الرسول يبحث عن كيفيات تربوية لاستخلاص الغنائم من أصحاب الحق فيها بالأيلولة الجهادية، وردها إلى أصحابها الأصليين مقابل إسلامهم.
- ذوو القربى بالرضاع من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يذكرونه بأرحامه ويسألونه الفكاك من هذا المصير المخزي لهم ولذرا ريهم..
- كبار الطامعين في أن يتحولوا إلى أثرياء بفضل هذه الغنائم العظيمة يستحثون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على الإسراع في اقتسامها بعد مضي خمسة عشر (15) يوما وهي محبوسة في وهاد الجعرانة..والقسمة معروفة للفارس والراجل
- تصادم المواقف بين زاهد في الدنيا ومتعطش لامتلاكها، وتناقض الغايات بين راغب في الآخرة وطامع في الدنيا..كلها مشاعر كانت تهيمن على الموقف المتململ وتدفع باتجاه تأجيج نار الغضب من بعض الصائدين في المياه العكرة...وهنا تمايزت معادن الرجال، وعرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كل واحد بوزنه سبقا وصدقا وإيثارًا وعفة..وبدأت الغنائم تقسّم على مستحقيها..
وجاء أبلغ وأفصح وأشعر هوازن : زهير بن صرد، وهو الذي تجاوز المائة وعشرين (120) عاما وورث الفصاحة والبلاغة عن درين بن الصمة حكيم بني هوازن (فكلاهما هوازني من بني جشم) ووقف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستنطق ثدي حليمة السعدية (مرضعة رسول الله) في رائعة هزت مشاعر كل من كان يستمع إليه من الصحابة، قال زهير مخاطبا رسول الله : (صلى الله عليه وسلم)

أمنن علينا رسول الله في كــــــــرم * فإنك المرء نرجوه وننتظــــــــ ـــتـر
أمنن على بيضة عاقها قــــــــــــدر * مشتت شملها في دهـــــــــرها غيـــر
أبقت لنا الدهر هتافا على حــــــزن * على قلوبــهم الغمــــاء والغَمَــــــــــرُ
إن لم تداركها نعماء تنشــــــــــرها * يا أرجح النـــاس حلما حيـــــن يُختبر
يا خير طفــل ومولود ومنتــــــجَب * في العــــالمين إذا ما فضّل البشــــــر
أمنن على نسوة قــد كنت ترضعهـا * إذ فوك مملؤء مـــــن مخضها الـدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعهـا * وإذ يرينــك مــــا تــأتي ومـــــا تـــذر
فألبس العفو من قد كنت ترضعــــه * من أمهاتك إن العفــــــو مشتـهــــــــر
لا تجعلنّ كمــــن شـــالت نعــــامته * واستبق منًّا فإنا معشر زهـــــــــــــــر
إنا لنشكــــر للنــــعمى إذا كُفــــرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدّخــــــــــــــــر
يا خير من مرحت كُمت الجّيـــاد بة * عند الهياج إذا ما استوقد الشـــــــــرر
إنا نؤمَّـــل عفـــوا منــك تلبســـــــه * هادى البــــــرية إن تعفو وتنتصــــــر
فاعفُ عفا الله عمــــا أنـــت واهبـه * يوم القيــــــامة إذ يهدى لك الظفـــــــر

لما انتهى شيخ بن جشم من إلقاء هذه القصيدة الرائعة بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التفت الرسول الكريم إلى قومه ليعلن عن إفتتاح مدرسة الإيثار وليصنع القدوة من نفسه، فنظر فيمن حوله وقال : "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" فبدأ بنفسه وببني جلدته متنازلا عن حقه وحقهم في الغنائم إكراما لهذا الشيخ ليصنع القدوة من نفسه وليحرك مشاعر بقية من معه فيحذوا حذوه، فقالت قريش : "ما كان لنا فهو لله ولرسوله" وبدأت التربية الإيمانية تعمل عملها، وبدأ صراع النفس بين حب الدنيا وإيثار الآخرة "وما عند الله خير وأبقى"..وبدأت معادن الرجال تتكشّف عن قيمة الإيثار مقتدية برسول الله ومشجعة على الانتماء لمدرسة الإيثار.

لقد صارت الغنائم حقا لأصحابها، فعلم الفارس سهمه وعلم الراجل سهمه، فلا حق لأحد في أخذ "حق الناس" ولو كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلاّ إذا طابت قلوبهم بذلك، وإلاّ صار الأمر إلى الفتنة والإقتتال، فإذا قُسّمت الغنائم فقد صارت بين يدي أصحابها وليس للرسول منها إلاّ خمسها، وحتَّى إذا لم تقسم فالقسمة معروفة والسهمان معلومة وإيصالها لأصحابها حق يكفله الشرع وتؤكده المغازي ويضمنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي طمأنهم أن حقهم لن يضيع ولو كان في وبرة جمل، ولأن الضغط كان عاليا والأمر كان موكولا لزيد بن ثابت لإحصاء الغنائم والقضاء فيها بين الناس، يساعده في ذلك بلال بن رباح (رضي الله عنهما) في وزن الفضة وما في حكمها من معادن.. وكانت الغنيمة ضخمة جدا وكانت الحظوظ وفيرة:

- حظ الفارس 120 شاة أو 12 من الإبل
- وحظ الراجل 040 شاة أو 04 من الإبل
- وللسبايا أحكام خاصة كما للأسرى أحكام وضوابط أخرى.
- وتوزع الفضة بالقراريط على المؤلفة قلوبهم وسواهم بعد توزيع الإبل..

والناظر اليوم من خارج مدرسة الإيثار يلاحظ أن 120 شاة من الأنفال تُعدّ –بالمقاييس المادية- غنيمة جديرة بالحرص (حوالي 40.000دولار)، كما أن 12 جملا شيء مذكور أيضا (حوالي 9600 دولار)، وما يستتبع من الفضة ولسائر المعادن، وكذلك السبايا، والمساجين من علية القوم إذا فداهم قومهم..كل ذلك قد يجلب مغانم أخرى، (تصل في مجموعها أحيانا إلى ما قيمته اليوم 70.000 دولار للفارس و 23.000 دولار للراجل) وهو رصيد معتبر وله في النفس وقع وإغراء، لذلك كان لابد من "هزة" تربوية قوية تعيد للعقل رشده الإيماني وتملأ القلب بمعاني : "ما عندكم ينفد وما عند الله باق" هزة تربوية تصنع القدوة وتحدث في النفس البشرية تيار الإحالة على الآخرة فتتنازل النفس عن حظها، بل تتنازل عن حقها طواعية لاكتساب العواطف بدل تسجيل المواقف...ولصناعة القدوة بدل إصابة الحظوة..
وما أروع أن تقبل عليك الدنيا فتدير لها ظهرك !؟

ولكي يستحث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القلوب على التطوع توجه بالعتاب لكبار هوازن معللا عتابه لهم بأنه انتظرهم خمسة عشر (15) يوما ولكنهم تلكأوا وتأخروا، وإن "سقف" ما يمكن أن يتنازل به لهم هو الخمس الذي ملكه الله إياه بنص القرآن الكريم : "واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.."وقد يتطوع قوم رسول الله وعشيرته من بني عبد المطلب، فيجمع ذلك التطوع مع ما "تطوعت" به قريش..ثم يتطوع المهاجرون –كما عودونا دائما- ويلحق بهم الأنصار تنازلاً وإيثارًا. إن كان عندهم ما يتنازلون به حبا لله وطاعة لرسوله..
وفهم الصحابة الرسالة خمسة على خمسة كما يقال، ونظر بعضهم إلى بعض يتساءلون : ماذا يريد منا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ ولكي يسهل عليهم قائدهم المهمة أشار لوفد هوازن بما يفهم منه : أنظرو إلى أصحابي فليسوا كلهم على ما تعتقدون قائلا : "معي من ترون" أي ليس صحابتي كلهم كالمهاجرين والأنصار..فمنهم من أسلم قبل 70 يوما فقط :"فاختاروا إحدى الطائفتين : إما السبي وإما المال.." قالوا : "إنا نختار سبينا". وهنا بدأت الأمور تعرف طريقها إلى الحل : الغنائم لأصحابها، والسبايا تُرد إلى أقوامهن تشجيعا لهم على الدخول في الإسلام وجبرا لخواطرهم ما دام الشرف قد حُفظ..وما دام رجال هوازن قد اختاروا الشرف وتنازلوا عن ممتلكاتهم وكشفوا عن نقاء طينتهم..
وهذه أكبر من أختها. لأنها الصق بالنفس لما يترتب عنها من منَّ أو فدية..

فمن يردّ السبي لأهله وقد صار في حكم الغنائم بيد أصحابها، وما كل الناس يفهم الفرق بين تقوية نفسه (بالغنائم) وتقوية المؤسسة (بالتنازل)، وما كل الناس يدرك خفايا النفوس البشرية إذا تعلق الأمر بما في الجيوب، وفتحت الدنيا على الناس زهرتها، وعلى عقلاء هوازن أن يفهموا طبيعة هذه النفسيات كما على عامة الصحابة أن يفقهوا الإشارات التربوية الحانية التي يرسلها إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فالأمر لم يعد مجرد دروس وعظ وإرشاد..بل هو اختبار ماديّ صعب، وعلى القيادة واجب التدرج في الوصول إلى حلّ.

نظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في وجوه جنوده، وفي وجوه الذين جاؤوه يستعطفوه من هوازن، وقال لهم ، وقد تعاطف معهم رغبة في إسلامهم : "إذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا فقولوا : إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم".

ونفذوا خطة رسول الله بالحرف والفاصلة..وقد بدأت قلوبهم تلين له والنفوس تطمئن إليه والثقة تزداد في شخصه..

وبدأت القلوب تنشرح لملتمس هوازن بعيدا عن الجبر والإكراه، بل بعيدا عن منطق: "ما أريك إلاّ ما أرى" باللجوء إلى إصدار قرار فوقي يفرض على الجميع سياسة الأمر الواقع ويدعوهم إلى رد الحقوق إلى أصحابها بعد أن صارت "حقا" لمن ساهم في هزيمة المشركين، وهذا ما لم يحدث لأن المنهج الإسلامي قائم على الرضائية التي ترفض الجبْر والإكراه، وإلا ما معنى القدوة؟ وما معنى الإيثار؟ ما قيمة أن يخسر القائد "رجاله" ويكسب قبائل بأكملها، بل ما قيمة أن يكسر القائد قلوب رجاله ليؤلف قلوب من جاؤوه منكسرين؟

وما أروع الجمع بين الحسنيين (كسب رجالك وجبر خواطر المكسورين)، والطريق إلى ذلك هو صناعة القدوة بالتنازل والإيثار، وبدأ رسول الله بنفسه :
- تنازل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن حقه الشخصي
- ثم تطوع بإعلان بالتنازل عن حقوق عشيرته من بني عبد المطلب
- ثم حث الناس على التنازل طوعا إن أرادوا هم ذلك بقلب طيب ونفس راضية
- وفتح باب مدرسة الإيثار أمام من يتطوع فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.

فكان المهاجرون سباقين إلى التنازل والإيثار، قالوا بالإجماع على لسان سادتهم : "ما كان لنا فهو لرسول الله" وتبعتهم الأنصار- برغم أنهم حُرموا من حقوقهم هذه المرة- يزاحمونهم على باب الجنة طاعة لله ورسوله، فقالوا بلسان حالهم: "وما كان لنا فهو لرسول الله"، وفهم كل من حول رسول الله هذه الإشارات اللماحة..وحُبست أنفاس الناس بانتظار ردود فعل الباقين بعد تنازل المهاجرين ماديا والأنصار معنويا عن حقوقهم كاملة لرسول الله، وبدأت مستويات الإيمان تعمل عملها في النفوس، وتميزت الصفوف بين من أسلم قبل الفتح ومن أسلم بعده، وبدأ الاختبار الصعب بين القلب (المؤمن) والجيب (الجشع) والنفس الراغبة في الدنيا :
- فقال الأقرع بن حابس : أما أنا وبنو تميم فلا
- وقال عيينه بن حصن : أما أنا وبنو فزارة فلا
- وقال عباس بن مرداس : أما أنا وبنو سليم فلا، فخالفته بنو سليم وقالوا : "ما كان لنا فهو لرسول الله" فرد عليهم : "وهنتموني" وبدأت الصفوف تتململ، فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأثنى على الله بما هو أهله ليذكر "تلاميذ" مدرسة الإيثار بأن ما عند الله خير للأبرار.. ثم قال مربيا ومؤدبا وفاصلا فيما اختلفت فيه النفوس، "أما بعد : فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل..". وما أروع هذا الأدب وما أعظم هذه الموضوعة !؟ رسول الله يقول لأصحابه :
(قد رأيت..ومن أحبّ..عن طيب قلب..) فما أعمق هذا التوجيه، وما أبرع هذه الطريقة التربوية التي تسبر أغوار النفس فتستخرج سخائمها وتطفيء نيران الحقد من صدور قوم كانوا قبل إسلامهم موتورين، وها هم اليوم يستخلصون من موعظة قائدهم خمس خلاصات واضحة :
- الغنائم صارت من حقكم، لأنكم استخلصتموها بجهدكم وجهادكم ولا أحد ينازعكم هذا الحق حتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولكن هناك ما هو أعظم من استمتاعكم بهذا الحق، وإني رأيت رأيا وأدعوكم إلى النظر فيه بحرية وبكل حب..
- أصحاب هذه الغنائم كانوا (عندما أخذناها منهم) أعداء لكم مشركين، والآن قد تحولوا من أعداء لنا إلى إخوان لنا جاؤونا تائبين..فتغيرت الموازين..فلا تغلقوا باب التوبة في وجوههم
- بدأ بنفسه فرد للتائبين ما سلبتهم الحرب حال شركهم، وقد جاؤوا مسلمين
- الغنائم بين أيدي الصحابة (عليهم الرضوان) وهي حقهم فمن أحب أن يصنع قدوة فليتنازل عنها عن طيب خاطر، بكل حب و أريحية
- ومن لم تطاوعه نفسه بالتنازل عنها يقرضها لنا على أن نردها له عند أول مغانم قادمة، فهي دين في عنق رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

هذه هي معالم خطة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهي خطة تربوية خالصة ليس فيها أوامر ولا "توصيات فوقية"، خطة ترفع سقف الإيثار إلى أعلى درجاته : تخيير عن حب ودعوة إلى التنافس على التنازل والإيثار، وتعويض من غلبته نفسه اليوم بما سوف يفيء به الله على المسلمين غدًا..فكيف تصرف الناس أمام هذا الدرس التربوي البارع؟ (من أحب أن يتنازل فليفعل ومن أحب أن يقرضنا فسوف نرد القرض).

إن الملاحظات التربوية التي سجلها التاريخ حول هذه التجربة تؤكد أن معادن الناس ليست واحدة، وأن "القادة الجدد" الذين آلفوا الوقوف في الصف الأول هم دائما من يخرق القاعدة ويكسر الإجماع ويتكلم بعضهم باسم "جماعته" وهو لا يمثل إلاّ نفسه، كحال عباس بن مرداس الذي ظن أنه يتحدث باسم بني سُليْم فردوا عليه "عصيانه" لملتمس رسول الله، وكشفوا أنانيته وعروه أمام القيادة التي كانت تسعى لبناء قدوة أمام بضعة الآف من المنكسرة قلوبهم جاؤوا تائبين بعد أن كسر الإسلام شوكتهم، لذلك عندما فرغ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من خطبته تراجع كثير من القادة عن مواقفهم الرافضة وجاءه رد جماعي : "قد طيبنا ذلك يا رسول الله"، أي لقد طابت أنفسنا وتنازلنا عن حقنا لإخواننا، وكان بإمكان رسول الله أن يتخذ من هذه الإجابة الجماعية حجة ويغلق الملف لكنه (صلى الله عليه وسلم) كان يريد أن يصنع القدوة، والقدوة لا يصنعها التصويت برفع الأيدي ولا تبرزها الأجوبة الجماعية، بل لابد من معرفة رأي الأفراد، ولأن تعداد الجيش كان كبيرا (أزيد من اثني عشر ألفا) لذلك لجأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى تقنية المؤسسات، فقال : "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم"، ومعناه أن المسلمين ليسوا أرقامًا مهملة يتحدث باسمهم أمثال عباس بن مرداس (وهو لا يمثل إلا نفسه وقد تراجع عن موقفه لما خالفه قومه) لذلك أمرهم رسول الله بالعودة إلى المؤسسات وإلى الناطقين باسم المؤسسة، إلى عرفائهم ونقبائهم، وقال ما معناه بلغة العصر :
- فقد سمعتْ القيادة جوابا جماعيا عاما يعبر عن قبول إيجابي عام
- إن هذا القبول الإيجابي العام لا يعكس رأي إثني عشر ألفا من المعنيين
- قد يكون البعض غير راضين ولكنهم سكتوا حياء
- ليعد كل عريف إلى مجموعته (مؤسسته) ويسألهم رأيهم ثم يوافيني بالجواب
- بعد هذه العملية المؤسَّسة سوف نتخذ القرار المناسب الذي تهيئ له مؤسسات الجماعة – عن طريق ممثلي المجموعات- أجواءه الشورية الواسعة ليصبح القرار بعدها ملزما للجميع، ومن شذ عن قرار المؤسسة سوف يلقى الرد المناسب في الوقت المناسب بالكيفية التربوية المناسبة.

منتهى الوضوح..منتهى الصراحة...منتهى الحكمة وقمة الصدق مع من كان يريد أن يصنع منهم قاعدة المجتمع الإسلامي النظيف القائم على العدل والمساواة واحترام الرأي الفردي قبل أن تتخذ القيادة قرارها النهائي بناء على جمع مختلف الآراء وتمحيصها بعيدا عن ضغط الواقع وعن عمل "اللوبيات" المتحدثة ظلما باسم الجماهير المحجوبة عن القيادة باسم التمثيل أو السادرة في غيّها ربما، تحت موجة التصفيقات الحارة..والتقارير المطبوخة..

إتصل العرفاء بجنودهم وقواعدهم فردا فردا.. وأخذوا أراءهم رأيا رأيا وكانت النتائج عاكسة لجوهر الرجال وصفاء معادنهم لقد، تنازلوا جميعا من غير أن يطلب أي واحد منهم تعويضا ولم يشذ عن هذه القاعدة من أصل 12 ألفا إلاّ قيادي واحد هو عيينه بن حصن (الذي فوض نفسه متحدثا باسم بني فزارة، كونه كان يعتقد أنه سيد غطفان، فوجد التربية الإيمانية أقوى من مطامعه الشخصية) :
- أراد أن يجر وراءه قومه من بني فزاره فرفضوه وعرُّوه
- ساوموه على عجوز وقعت في سهمه بفدية معقولة فرفض وركب رأسه
- لما انطلق الجيش راجعا إلى المدينة لم يجد ما يفعل بالعجوز فتركها في العراء..لقد طلب أن يبيعها بجمل واحد بعد أن كان يطمع بمائة من الإبل فما اشتراها منه أحد بعد ما سمعوا دعاء رسول الله عليه بقوله : اللهم أخس سهمه)، بل إن ابنها غرّمه ثوبا رده عليها فخسر مرتين؟؟ (وهو ما يدعونا إلى أن نخصص له وقفة تربوية خاصة)

فقد سجلت الروايات التاريخية فصولا شيقة في طمع عيينه بن حصن وجشعه تدل على فساد معدنه وكثرة طمعه وواسع جشعه، مع أنه كان في صحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو الذي اختار هذه العجوز بنفسه معتقدا، أنها، ربما لكبر سنها، سوف تكون كبيرة المقام في قومها وسوف يفدونها بمائة (100) من الإبل تكون له ثروة، فلما عرضها للفدية، وعرفوها من تكون، كبّر أحد الصحابة متهكما عليه وساخرا من سوء توفيقه قائلا : خذها ما فوها ببادر، ولا ثديها بناهد، ولا زوجها بواجد؟؟ وتوالت عليه كلمات التهكم والسخرية..

وخسر عيينة بن حصن الرهان الإيماني وحده، لأنه رفض الانتساب لمدرسة التنازل والإيثار ونجح جميع الصحابة (عليهم الرضوان) في اختبار تعلق النفس بالدنيا وحب الريوع وانتصر القلب على الجيب وعلا الإيمان على شهوات النفس، وتأكد في حقهم جميعا –إلاّ عيينة بن حصن- قوله تبارك وتعالى : "والآخرة خير وأبقى"، وتخلصوا من ضغط الإطماع، ويا له من درس مفيد.

إن نفوس البشر ليست واحدة، ومعادن الناس ليست واحدة إذا فتحت الدنيا زهرتها على الناس "فتنافسوها كما تنافسوها"، وفتنة المال والغنائم والشهرة..شهوات تفسد الطبائع وتزرع الأحقاد وتدمر العلاقات بين الناس، وعندما تفتح الدنيا زهرتها على مجتمع ناشيء يتسابق الجميع على الشاة والبعير ويتمسك كل فرد بحقه في الريوع حتى لو كان التنازل والإيثار لصالح الدعوة، فالإيثار يبني القدوة والتنازل يصنع الرموز، وعلاج ذلك لا يكون إلاّ برافعه تربوية عالية وسقف مرفوع، وهو ما يحتاج منا إلى محاولة لإعادة تشكيل العقل في جولات قادمة لكن دعونا نسجل وقفة تربوية مع هذا الذي شذ وحده، ورسب وحده في مدرسة الإيثار.. وخالف الإجماع ليحذر كل واحد منا أن يكون عيينة بن حصن، مع أنه ختم حياته –بعد ردّة طول تخبط- مسلما بعد أن تقدمت به العمر وجاوز السبعين بل قيل الثمانين..

وللحديث بقية.


avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى