محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (07)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (07)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 9:48 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (07)
خلاصة الحلقة السادسة : دخلنا مدرسة الإيثار، وتعلمنا فيها درسا بارعا مفاده أن النفس البشرية تنهار أمام مغريات الدنيا إلى درجة نسيان الله غايتنا إذا لم يُحصّن الإنسان نفسه بسياج من التنازل إيثارا لما عند الله على ما بأيدي الناس، وعرضنا نموذج رد غنائم هوازن لأصحابها بعد أن جاؤوا مسلمين، وكيف ربى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحابته على تحمل مسؤولياتهم الفردية كلما تعلق الأمر بحق الفرد وحق الجماعة ليساهم الأفراد في صناعة القدوة وبناء المجتمع المتكافل الذي لا تطغى فيه حقوق الأفراد على المصلحة العليا للجماعة ولا تصادر الجماعة حقوق الفرد.



شهوة تصدّر الصفوف الأمامية

9- إحذر..ثم إحذر..ثم إحذر : لا شك أنه لفت انتباهك إصرار رجل واحد على أخذ "حقه" في الغنيمة ورفض التنازل عنه استجابة لملتمس رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا شك أنك –مثلي تماما- تساءلت : أي رجل هذا الذي يخرج عن "الإجماع" ويتمسك وحده بموقفه أمام أزيد من أثني عشر ألف (12000) من المهاجرين والأنصار وحتى المؤلفة قلوبهم؟ أي شقي هذا الذي يشق الصف ويقف وحده على نقيض "الجماعة" كلها، بل ويخالف عشيرته وقبيلته ويعرَّض نفسه لدعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليه : "اللهم أخس سهمه"؟ وكيف طاوعت عيينه بن حصن نفسه ليشذّ وحده ويكشف عن "حالة" شاذة تسجلها كل كتب السير؟ ولماذا كل هذا الإصرار على مخالفة القيادة؟ وهل يمكن تفسير كل ما صدر عنه بعامل شهوة الزعامة وحب الظهور بتصدر الصفوف؟

أعتقد أن كل قيادي لا يقف على حقيقة هذه الشخصية لن يكون جديرا بأن يتحدث عن "معادن الرجال" وسوف تظل نظرته للناس ناقصة وحكمه على من معه في الصف فيه قصور، فيه ظلم كبير لأربعة أسباب كشفت عنها قصة عيينة بن حصن، وكلها ذات ارتباط بحب الزعامة ورفض الانصياع للحق ولو كان ممثل الحق العام محمدا رسول الله ٍ(صلى الله عليه وسلم)، هذه الأسباب الأربعة هي :
- أن عيينة أسلم مغلوبا على أمره، ولم يقتنع يوما واحدا بالإسلام الحق حتى ارتد ثم عاد
- أنه يرى نفسه بمستوى القيادة، وأنه لا يوجد في الصف من هو أكفأ منه وأكثر أحقية بالقيادة
- أن عينه على الغنائم وقلبه مع المفكرين في الانقلاب على الإسلام يوما ما
- أن بقاءه بجوار القيادة ملتصقا بها كان "تكتيكا" لإضفاء الشرعية على نفسه.

ولأن قصته لافتة للنظر، وعلاقته بالقيادة تصلح أن تكون منهجا تربويا، فإننا رأينا مفيدا أن نفرد لها حديثا مستقلا نستهدف من خلاله الكشف عن نفسيات محبي الزعامة، وكيف تتعامل القيادة معهم –مع ما فيهم من عيوب- لتجنب الصف الإنشقاق وتبعد عنه أشباح التناحر والإقتتال طامعة في أن تصحو ضمائرهم مع الأيام، ويعالج الزمن أمراضهم (والزمن جزء من العلاج) فيكتشفوا أخطاءهم ويفيئوا إلى الحق بعد أن يعضَّهم الدهر بنابه، وسوف نرصد قصته في المحطات الكبرى التالية :
- ظهر إسمه لأول مرة –كمحارب للإسلام وعدَّو للمسلمين- في غزوة الخندق، فقد عقد حلفا ثلاثيا مع الأحزاب التي شاركت في هذه الغزوة ضد المسلمين، وانتهت بهم مشيئة الله تعالى إلى هزيمة نكراء كانت "معجزة" من الله، ولكنهم لم يفقهوها وظلوا يخططون لضرب الإسلام وتهديد أمن المجتمع المسلم في المدينة المنورة.
- بعد صلح الحديبية وجد نفسه في حرج الدخول في عقد الصلح أو العمل على نقضه وتعريض قريش لهجمات الجيوش الإسلامية، فانتظر تطورات الأحداث، ولما تأكد أن مصالحه باتت مهددة، وأن قريشا نفسها لم تعد قادرة على حماية نفسها بعد نقض العهد.. شد رحاله إلى المدينة المنورة قبيل فتح مكة –ليستبق الأحداث ويحظى بالتكريم وحده- وسأل الناس عن محمد (صلى الله عليه وسلم) فوجد ثلاثة أجوبة تدور على ألسنة من قابلهم على أطراف المدينة :
* جواب يقول : إن الناس كلهم قد أسلموا مع محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهم عازمون على قتال قريش والعرب
* وجواب يقول : إن فئة لم تسلم، وما تزال الحرب بين الفريقين سجالا
* وجواب يقول : إن البعض يظهرون لمحمد الإسلام ويظهرون لقريش الولاء، أي أن الناس في مواجهة هذا الدين ثلاثة فئآت : مؤمنون، ومحاربون، ومترددون بين هؤلاء وهؤلاء..

فسأل : كيف يُسمى من يظهر الإسلام لمحمد ويبطن الكفر، قالوا : "يسمونهم المنافقين" قال بعظمة لسانه : "ما في من وصفتهم أحزم من هؤلاء..أشهدوا أني منهم؟؟" وعجب الناس كيف يعلن عن انتمائه لفئة المنافقين والأصل في النفاق الكتمان والمداهنة والتزلف، ولكنه بهذا الإعلان يكون قد شهد على نفسه وأشهد الناس على أنه اختار هذا المنهج، ودخل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأعلن إسلامه بالطريقة التي إختارها لنفسه وهكذا بدأت قصته مع الإسلام.
- يوم فتح مكة لم يتم إعلامه بخبر المسير إلى الغزوة، وكان يومئذ عند قومه بنجد، فلما بلغه الخبر سارع ليلتحق بالركب، وزاحم الصفوف حتى وصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلم يشاهد رايات مرفوعة ولا لباس إحرام، ولم يدرِ هل الوجهة نحو مكة للعمرة أم نحو غيرها للقتال.. فسأل رسول الله عن وجهته : هل إلى الحرب أم إلى العمرة فكانت إجابة رسول الله غامضة وعامة وقد قصد ألا يعرف هذا الرجل وجهة الجيش لما يعلمه فيه من اهتزاز ولاء، فقال له : "حيث يشاء الله" فلما اقترب الجيش من مكة عقد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الأولوية للقيادة ولم يعقد له لواء فصار يتندم وظهر ذلك في وجهه وحركاته فسأله أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) : "علام تندم؟" قال : "على قومي ألاّ يكونوا نفروا مع محمد..فأين يريد محمد يا أبا بكر؟"، وعرف الصديق طوية نفسه بأربعة شواهد كلها تؤكد اهتزاز ولائه وتطاوله على القيادة :
- الإلحاح المفرط لمعرفة الوجهة التي يقصدها الجيش
- الندم على الاّ تكون له راية يفاخر بها الناس
- النطق باسم "محمد" مجردا من صفة الرسالة والنبوة
- التحسّر على أنه جاء وحده ولم يُشرك قومه ليفاخر بهم و"يضغط" بقوتهم على القيادة.

فأكد له أبوبكر نفس جواب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "حيث يشاء الله"، ومع ذلك أصر هذا المتطاول على "الالتصاق" بالقيادة حتى انفرد بالسير مع رسول الله –جنبا إلى جنب- ودخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكة المكرمة، فوق ناقته القصواء، بين رجلين كلاهما سيد قومه، وكلاهما له قصة مع الإسلام ومع رجال الصف الأول هما : عيينة بن حصن (وهو سيد غطفان) والأقرع بن حابس (وهو سيد بني تميم)
كان مسكونا بزرع الفتنة، فهو لا يفوت فرصة إلاّ ويعمل على استثارة مشاعر الصحابة (عليهم الرضوان) أو استفزاز عواطفهم بالتفاخر بالحسب والنسب، أو بالفروسية والطعان، كما حصل له مع عباس بن مرداس في حضرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى علت الأصوات وساء الأدب بينهما مما جعل رسول الله يوميء إليهما بيده أن اسكتا واطويا هذا الحديث الجاهلي..فسكتا، وهي من المرات النادرة التي يسمع فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلاما –داخل الصفوف الأولى- يستفز المشاعر ويثير النعرات القبلية ويحرك أحقادا إقتلع الإسلام أشواكها من القلوب وأحرق أوراقها في أتون الإيمان الحق، لقد فعلها إبن سلول في غزوة بني المصطلق وكررها ثانية وثالثة، وها هو عيينة بن حصن يعيدها اليوم وقد أظهر ذلك بتشفًّ يوم فر المسلمون –في بداية المعركة- في حنين؟؟.

لقد تكررت منه هذه الممارسات الدافعة باتجاه خلخلة الصف وزرع الشقاق داخل قيادات الصف الأول، وكأنها جزء من "خطته" لتدفع قيادات الصف الأول إلى الإختلاف والتلاحي، فقد غمز قناة القائد الأقرع بن حابس (رضي الله عنه) ودخل معه في ملاسنات تجاوزت حدود الآدب –في مسألة دية- لتأجيج ثارات الجاهلية عندما قال عيينة للأقرع رافضا الدية : "لا، والله لا أدعه حتى أُدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي" فارتفعت الأصوات وهاجت العواطف وكثر اللغط وكادت أن تتصدع الصفوف حتى تدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائلا : "نأخد الدية ويأبى عيينة"، وكأن عيينة كره هذا الحل السلمي مصرا على الدم والهدم؟؟
10- مرض الالتصاق بالقيادة : وضع نفسه في منافسة معلنة مع الأقرع بن حابس وعباس بن مرداس، ووضع القيادة كلها في حرج التعامل معه، وكان يعمل باستمرار على أن "يوهم" الناس أنه مقرب من القيادة وأنه "مكلف بمهمة" أو بمهمات من طرفها، وذلك ما كشف عنه صراحه يوم زحف المسلمون على ثقيف المتحصنة في بروجها، فتقدم عيينة يطلب من رسول لببه (صلى الله عليه وسلم) أن "يفوضه" للتفاوض مع كبراء ثقيف، ومع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعرفه جيدا لكن كان يحب أن "تكتشف" قيادة الصف الأول حقيقته من خلال "إنجازاته" الساعية لهدم جهود الجماعة، فأذن له في مفاوضة زعماء ثقيف..ليعالج الزمن أخطاءه ويكشف عن حقيقة نواياه.

فلما قابلهم راح يشجعهم على حرب محمد (صلى الله عليه وسلم) وصحبه، ويؤكد لهم أن حالتهم النفسية متوترة وأنهم بعد أزيد من (70) يوما من المرابطة "قد ملوا المقام..فأثبتوا في حصونكم..فإن حصنكم حصين وسلاحكم كثير وماءكم واتن لا تخافون قطعه..إلخ" ولما غادر الحصن عائدا إلى المعسكر الإسلامي شكت ثقيف لسيدها أبي محجن الثقفي ريبتها من تصرفاته فقال لهم : "أنا كنت أعرف له (أي أعرف قصة إسلامه) ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه؟؟" وشهد شاهد من أهلها.

فلما عاد إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سأله : "ماذا قلت لهم يا عيينة؟" قال : "أمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه، وحذرتهم من النار، ودللتهم على الجنة" فرد عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "كذبت..بل قلت لهم كذا..وكذا" وواجهه بكل ما كان قد دار بينه وبين أبي محجن الثقفي..وسمع الناس تكذيب رسول الله لهذا المتحامل على الإسلام و"فضحه" على الملأ، ومع ذلك –وبكل صفاقة وجه- قال : "صدقت يا رسول الله..أتوب إلى الله عزوجل..".

فهل تاب؟ وهل أقلع عن فعلته بعد أن اعترف للقيادة بشرعية النبوة والرسالة؟
لا..أبدا..لأن أربعة أصناف من الناس لا يتوبون عمّا خططوه وبرمجوه لمسار حياتهم إلاّ إذا زالت النعمة من أمام عيونهم أو هلك المنعم عليه، وهم :
- حاسد لإنسان ناجح، حتى يفشل أو ينتقل إلى رحمة الله
- ومكابر لا يعترف لأحد بحق ولا يقر لأحد بفضل، حتى يصبح هو صاحب الحق والفضل، أو تهوي به الريح في قرار سحيق.
- ومعجب بنفسه، يرى نفسه أولى منك بالمكانة التي تشغلها، حتى تسقط من عرشك أو يموت هو ويُدفن !؟
- ومتوهم أنك اغتصبت الملك منه، لأنه كان يحضّر نفسه "للتتويج" فساقت الأقدار من هو أولى منه "بالتاج" فهو عدّو لمن صنعته الأقدار حتى تسلبه الأقدار ما أعطته أو يواريه التراب.

فنموذج عيينة فيه شيء من هذه الصفات الأربع (حاسد، ومكابر، ومعجب بنفسه، وواهم)، لذلك لم يُسلَّم بهذه المعجزة واكتفى بالبحث عن مخرج مؤقت يرفع عنه حرج اكتشاف خيانته لقائده الذي فوضه للتحدث باسمه وباسم أثني عشر ألف (12000) مقاتل، لم يتب ولم يتراجع عن خطته، لذلك لم يمر أكثر من يومين حتى وقع في عواقب اختبار آخر غضب منه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوعده إلى درجة أن عمر الفاروق (رضي الله عنه) إلتمس من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الإذن بقتله فنهاه عن ذلك مكررا ما قد قاله –قبل خمس سنوات في حق ابن سلول- وهو النهي عن قتل من كان ظاهره مسلمًا حتى "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".

ماذا فعل هذا الحالم باستلام زمام القيادة؟ وأي "جريمة" أخرى أوقع فيها نفسه؟

لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصحابة (عليهم الرضوان) بقطع عنب ثقيف ونخيلها لإجبارهم على الخروج من حصونهم للتفاوض أو الاستسلام، اغتنمها هذا الرجل فرصة لضرب المسلمين بالمسلمين، وإثارة النعرات القبلية، وتحريك العصبية الجاهلية في نفسية رجل مسلم ثقفي، فاختلى عيينة برجل مسلم من ثقيف اسمه يعلى بن مرة لينفث في روعه سمَّ العصبية ويستثير فيه النعرة العشائرية –كونه من ثقيف التي أمر رسول الله بإتلاف محاصيلها الزراعية- فقال له : "عليّ حرام أن أقطع حظي من الكرم" أي لا أقطع الكمية التي يقع عليّ واجب قطعها، كما أمر رسول الله، لأنني أحب ثقيفا وأكره أن أتسبب في أذاهم بإتلاف عنبهم ونخيلهم؟؟

وما أخبث هذه المقالة وما أثقلها على نفس رجل مؤمن من ثقيف، وكأن عيينة أحرص على مصلحة الثقفيين من يعلى بن مرة الثقفي !؟

لكنَّ يعلي بن مرة الثقفي "صفعه" صفعة إيمانية فضحته أمام عامة الصحابة (رضي الله عنهم) حيث رد عليه قائلا : "إن شئتَ قطعتُ نصيبك" ومعناه :
- إذا كنت تريد استثارة عاطفة القبيلة في نفسي فاعلم أن الإيمان قد قتلها ودفنها..
- وإذا كنت تعتقد أنني سوف أخالف أوامر (رسول الله) قيادتي من أجل قومي، فالسماء أقرب..
- أما إذا كنت عاجزا عن قطع حصتك من الكروم والنخيل فإني "أتطوع" طاعة لله وامتثالا لأوامر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن أقطع حظي وحظك "فماذا ترى"؟
وكان يعلي بن مرة صادقا، وانتظر الجواب.

وظن أن صاحبه سوف يعتذرعن هذه الفلتة الطاعنة في عقيدته ودينه ومروءته ورجولته..لكن الرجل كان قد فقد ماء حيائه فتطاول على أخيه متبجَّحا قائلا له : "أرى أن تدخل جهنم"، وهو كلام ينم عن حقد دفين لكل من لا يسايره في هواه ولا يوافقه على خطئه، بل هو استفزاز ما بعد استفزاز..

والتقطت أذن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا النقاش، ولم يفوت هذه الفرصة ليربي الناس على مكارم الأخلاق وعلى السمع والطاعة للقيادة، وعلى قطع أواصر القرابة إذا تعلق الأمر بالعقيدة..، فغضب غضبا شديدا وأظهر غضبه وأوعد عيينة –مدافعا عن يعلى وعن الولاء الخالص لله ورسوله - قائلا : "أنت صـاحب العمل..أولى لك فأولى" أي : وليُّك ما تكره..فأنت أولى بدخول جهنم من صاحبك فإذا كنت ترى أن يدخل صاحبك جهنم لأنه نفذ أوامر رسول الله فأولى أن يدخل جهنم من خالف أوامره وحرّض الناس على التمرد عن القيادة !؟
وصدق من لا ينطق على الهوى :
فقد إلتقط الفاروق الرسالة، وفهم أن عيينة ليس من المسلمين في هذه اللحظة، وليس منهم بهذا التصرف، ولو كان في مقدمة الصفوف، وأن دخوله مكة المكرمة يوم الفتح وهو يسير بجوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يكن حبّا للرسول ولا "إعلانا" لقومه أنه أسلم قبلهم وأنه اليوم "ثالث ثلاثة" محمد رسول الله، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن..كلا، ليست هذه نواياه إنما كان –بهذه التصرفات- يبعث برسائل أخرى يتقن صناعتها وتسويقها الملتصقون بالقيادة ممن لا يظهرون في الصفوف الأولى إلاّ في لحظات "الاستعرض" بدليل أن عيينة كان في قومه في نجد فلما وصله خبر مسير رسول الله وافاه في طريق السير في مكان يقال له "العرج" وكان مبلغ همه أن يعرف وجهة رسول الله وأن يُظهر للناس أنه مقرب من القيادة وأن باستطاعته أن يدخل مكة جنبا إلى جنب ملتصقا بناقة رسول الله (القصواء)، وكل هذه التصرفات كفيلة بأن تدفع برسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى التخلص منه، ولكنه غض عنه الطرف ومنع الصحابة من إذايته أو قتله مكتفيا بوعظه ووعيده وحرمانه من تقلد المهام القيادية..

وفهم أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) منهجية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في التعامل مع هذه النماذج المصّرة على الوقوف في الصف الأول –وهي لا تعترف بالقيادة ولا تدين لها بالولاء- فاقترب منه ناصحا بأخوة ومحذرا له بإخلاص من هذه التصرفات التي لا تليق بمن يُعتقَد أنهم من بطانة القيادة ومن محيط القدوة... فقال له : "ويحك يا عيينة، إنما أنت أبدا موضع في الباطل..كم لنا منك من يوم؟؟" وذكره بمواقفه المخزية في كثير من المواقع والمواقف : "يوم الخندق؟ يوم بني قريظة؟ والنضير وخيبر..تجلبت وتقابلنا بسيفك، ثم أسلمت..فتحرض علينا عدونا"؟

وكعادة أصحاب المشاريع المشبوهة والرغبات الجامحة من الذين يخططون لما بعد الزلة الأولى..والثانية..والثالثة..قال : "استغفر الله يا أبا بكر، وأتوب إليه..ولا أعود أبدا" ولكنه عاد، بل عاد سريعا قبل أن تستقر موعظة أبي بكر في قلبه، وذلك أن القوم تنادوا بالرحيل، وأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عمر الفاروق أن يؤذن في الناس بالتحرك : "إنا قافلون إن شاء الله"، أي عائدون إلى المدينة المنورة بعد غياب عنها دام ستة وسبعين (76) يوما.. ولما بدأت الحركة داخل المعسكر وشرع الناس في التحرك للرحيل بدا لأحد رجال ثقيف (سعيد بن عبيد الثقفي) أن يُقيم مع بعض رجاله، ونادى فيمن حوله: "ألا إن الحيّ مقيم" فوجدها عيينة فرصة ثمينة لشق الصف ودفع البعض إلى التمرد على أوامر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال – مؤيدا مقاله الثقفي- أجل والله مجدة كرام، ولما عاتبه عمرو بن العاص متعجبا منه كيف جاء ينصر رسول الله ثم ها هو يخالف أمره، كشف له عن حقيقة ما أخرجه من قومه..والتحاقه بالزاحفين نحو مكة..

وكم كانت حكايته سخيفة.

لقد خرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) –كما روى هو ذلك عن نفسه لعمرو بن العاص- يريد أن يتزوج فتاة ثقفية ليخلف منها أولادا دهاة كدهاء رجال ثقيف "فإن ثقيفا قوما مناكير" ولما أعلم عمرو بن العاص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بنية عيينة التي كاشفه بها صراحة بأنه ما أخرجه إلى هذه الغزوة مع رسول الله إلاّ رغبته في الزواج من فتاة ثقفية تنجب له ولدا داهية، وسبحان الله Sadكل هذا الزحام على الصف الأول من أجل جارية ثقفية تلد له ولدا داهية) تبسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من طبائع بعض الناس وقال لعمرو بن العاص : "هذا الحَمِق المطاع" : ومعناه :

عجبا لرجل مثل عيينة، بهذا المستوى العالي من الحمق، ومع ذلك له أتباع كثيرون يطيعونه ويأتمرون بأمره، فقبيلة غطفان كلها معه، بل هو سيدها وزعيمها الأوحد، لذلك كشف عيينة عن حقيقته لعمرو بن العاص –وهو حديث عهد بالإسلام- ظنا أنه مثله حديث عهد بالإسلام وأنه سوف يكون معه في مسعاه لو ظهر الضعف في الصف الإسلامي، ولكن معادن الرجال ليست واحدة.
فقد تلقى عيينة صفعة أخرى من عمرو !؟
ومع كل هذه الأخطاء المتكررة والصفعات التربوية المتوالية، تألف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلبه بالعطايا، وظل يهادنه على ما فيه من عيوب، ولكنه وضعه في مكانه اللاّئق به : فلم يعطه القيادة ولم يعقد له لواء، ولم يمتدحه بشيء أمام أصحابه..ولكنه إقتطع له من خشاش الأرض مائة (100) من الإبل ليرضي قبيلته غطفان ويعمل –مع الزمن والزمن جزء من العلاج- على كشف حقيقته فينفصل عنه أفاضل رجاله، فيجد نفسه وحده يبحث عن "المسكونين" بالزعامة مثله..وهو ما حدث مباشرة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فما أن وصله خبر نعيه حتى تنفس الصعداء والتحق بفلول المرتدين وآمن "بنبوة" طليحه بن خويلد الكذاب وحارب معه المسلمين.. فلما حاقت بهم الهزيمة ووقع عيينة (المرتد) أسيرا بين يدي خالد بن الوليد (رضي الله عنه) ودخل على أبي بكر الصديق (خليفة رسول الله) في وثاقه المهين وأطفال المدينة ينخسونه بسعف النخيل ويتصايحون وراءه "كفرت بعد إيمانك" فيرد عليهم : "والله ما كنت آمنت" فلما كلمه أبو بكر وذكره بالحق أعلن توبته (الرابعة) فقبلها منه وأعطاه الأمان. تأسيًّا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي تجاوز عن أخطائه ولم يسمح لأحد بقتله أو مدّ يده له بالأذى.

هل تاب حقا؟
وهل أنتهت قصته القلقة في البحث عن الزعامة؟
وهل إستحى من كثرة سقطاته ولزم بيته؟

لا، والله..لقد أطال عمره فعاش حالما بالزعامة في خلافة أبي بكر الصديق..ثم في خلافة عمر الفاروق ثم عاش جزءا من خلافة عثمان بن عفان، وتزوج الخليفة عثمان أبنته فصار مرتبطا بالخلافة بشكل مباشر، وصار مقرَّبا من قصر الخليفة الثالث بعد أن أصبح صهرا ونسبا، ولم يعد أحد يأبه لشيخ جاوز سن الطموح.. وتقول بعض الروايات إنه تجاوز الثمانين..وختم حياته مسلما بعد طول فصام ونكد (رضي الله عنه). وعزاؤنا فيه أنه "حالة" واحدة داخل نسيج قوامه أزيد من مائة وعشرين ألف (120.000) صحابيا (رضي الله عنهم).

هذه هي أهم المحطات التربوية في قصة عيينة بن حُصن، وتفاصيلها كثيرة، والسؤال : ما هو أعظم درس نستخلصه من سيرة هذا النموذج المتكرر في حياة الدعوات؟ وهل أسأنا الأدب مع رجل عاش حياته كلها مع الرعيل الأول، ولكنه عاش قلقا مضطربا يبحث عن مكان متقدم في الصف الأول دون أن يدفع ضريبة الانتساب للرواحل؟
وأخيرا : هل كانت معاملة الرسول (صلى الله عليه وسلم) له منهجا عاما للتربية السلوكية أم أنها كانت "استثناء" خاصا بعيينة بن حصن لأن قبيلته كانت ذات عدد ومدد كما عبر هو عن ذلك أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عندما قال له : "بلغني خروجك ومن يجتمع إليك فأقبلت سريعا ولم أشعر فأجمع قومي فيكون لنا جلبة كبيرة؟؟"

نؤكد للمرة السبعين أن السّيرة العطرة مدرسة جامعة لكل أنواع التربية ومستوياتها وأدواتها ووسائلها.. لذلك نقول :
إن ما عامل به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عيينة بن حصن هو منهج عام، وهو أيضا استثناء خاص لكل من تتوفر فيه شروط عيينة بن حصن ويتعامل مع القيادة كما تعامل عيينة مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فعيينة ليس رجلا عاش ومات إنما هو نموذج يتكرر في تاريخ الدعوات التي ما تزال نماذجها موجودة في كل زمان يتزاحم فيه الناس على الصف الأول، أما أعظم درس نستنتجه من هذه القصة المؤثرة فهو : إن وسائل إصلاح قلوب الناس ليست واحدة، فمن الناس من يصلحهم المال، ومنهم من يصلحهم الزواج، وآخرون يُصلح حالهم الفقر، وبعضهم تصلحه الأسفار، أو المصاهرة، أو الرواتب العالية، أو الصحبة الصالحة، أو الحكمة البالغة أو الموعظة الحسنة، أو الجدل بالتي هي أحسن، وسواها من الوسائل المؤلفة للقلوب.. ولكن النماذج المتعطشة للسلطة لا يصلحها إلاّ واحد من ثلاثة :
- إما أن يحالفها الحظ فتصل إلى السلطة، فتصفي "حساباتها" مع من أخَّروها عنها لبضع سنوات كانت تعتقد أنه حيل بينها وبينهم، ووصولهم ليس مأمونا، وهذا درس آخر..
- وإما أن يُمنعوا منها فيعيشوا كل حياتهم مضطربين : يؤمنون ويكفرون، يرتدون ويتوبون، يخطئون ويعتذون، يصاحبون ويعادون..إلى أن يموتوا بغيظهم.
- وإما أن يُعاملوا تربويا سياسة النفس الطويل، بأن يطلق لهم حبل الصبر على غارب الطموح فيتأرجح بهم بين الرغبة والرهبة، وبين الطمع واليأس، والوصول والقطع، والتقدم والتأخر..حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

لكن، في الحالات الثلاث، لابد أن يدرك القائمون على مناهج التربية، لا سيما الواقفون في الصف الأول، حقيقة بشرية ثابتة وهي: أن هؤلاء "المجازفين" بالدعوة ورجالها إنما يستقوون على القيادة بمن يقف معهم من المناصرين(والمناصرون غالبا ما يكونون طيبين ولكنهم جاهلون بنوايا المجازفين)، فإذا انفضوا من حولهم طاردهم الغلمان في الشوارع فتوالت عثراتهم وتتالت سقطاتهم وفقدوا ما بقي لهم من هيبة وشرف في نفوس الناس، فإذا ابتلاكم الله بوجود أحدهم في الصف، واكتشفتم أنه يزاحم "إخوانه" على المواقع الأمامية –دون أن يقدم أي تضحية- فاعطوه من خشاش الأرض ولكن حذارِ..ثم حذارِ..ثم حذارِ أوترفعوا شأنه بالشكر والمديح، أو أن تقدموه أو أن تمكنوا له في القيادة، فإنه إذا ساد أباد وإذا غلب سلب، ولسنا أعرف بنفسيات المجازفين من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وللحديث بقية
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى