محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (08)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (08)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:17 am



بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (08)
خلاصة الحلقة السابعة : خصصناها للحديث عن عيينة بن حصن الذي شذّ وحده عن قاعدة التنازل والإيثار التي أراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يرسي معالمها ليربي النفوس البشرية (المؤمنة) على سلامة الصدور وإيثار ما عند الله على ما في أيدي الناس، لاسيما إذا تعلق الأمر "بالتضحية" بالمال والغنائم والسبايا..من أجل تسهيل مهمة الناس للالتحاق بالصف الإسلامي من موقع الدعوة بالقدوة.

وقد سجلنا ملاحظة تربوية في غاية من الأهمية خلاصتها : أن الناس –مهما ارتقوا في المناصب والدرجات- لن تتغير طبائعهم كثيرا في مواجهة إغراءات المادة، ولن ينفع لإصلاح حالهم إلاّ "هزة إيمانية عنيفة" تكون من العمق والقوة ما يكفي لإحداث "إنقلاب" في عقولهم وعقائدهم وتصوراتهم لعلاقة الدنيا بالآخرة، وهو ما سميناه في هذه الحلقة بـ: "إعادة تشكيل العقل".

حديث الشهوة والشبهة

11- إعادة تشكيل العقل : عبقرية هذا الدين تكمن في قدرته على إعادة تشكيل "طينة" الإنسان بإعادة عجنها وزيادة بعض الأخلاط الأساسية (الفطرية)عليها حتى تصبح جاهزة لتتشرب "صبغة الله" والذوبان في "فطرة الله التي فطر الناس عليها" في أبعادها الروحية، والفكرية، والشعورية، والبدنية، فيسلم المرء وجهه لله معلنا بلسان حاله أن صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين لا شريك له وهذه العملية أساسية في كل منهج تربوي يستهدف ربط الناس بالله وتحريرهم من شبهات العقول وشهوات النفوس...

لكن المُعضلة تكمن في أن المسلمين اليوم لا يريدون إعادة بناء أنفسهم ولا إعادة تشكيل عقولهم وفق المخطط الهندسي الذي وضعه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وصبّ فيه نموذج المجتمع الأول، وإنما يبحثون عن "ترميمات" خارجية يزينون بها الواجهة الأمامية لحياتهم الخارجية دون الإيغال في عمق البناء الداخلي للنفس البشرية معتقدين أن الترميم أسهل من إعادة البناء وفق النموذج (أو القالب) الأول، وهو تصور خاطئ من ثلاث جهات :
- من جهة أن البناء إنشاء ابتدائي تملك تصوره وخرائطه وتصاميمه..منطلقا من "رؤية" واضحة ونموذج سابق يشبه المجسّم.
- أما الترميم فمغامرة لا يملك المقدم عليها كثيرا من المعطيات الأساسية، لذلك يكتفي بإدخال تحسينات على بناء قديم وليس محاولة النسج على المنوال الكامل..
- والترميم تلفيق لمعاودة بعث في زمن متأخر قد يعيد ملامح البناء الأول لكنه يستحيل أن يكون "صورة طبق الأصل" منه.
- فالبناء إنشاء جديد بينما الترميم إدخال إصلاحات على هيكل قائم قديم..لذلك كان البناء قائما على منطلقات داخلية بينما الترميم يعالج الظاهر، والله يقول : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم"

فهل نحن اليوم بحاجة إلى إعادة بناء المجتمع على النموذج الأول أم يكفينا إجراء ترميمات تحسينية على ما ورثناه عن الأباء والأجداد بمحاولة "تجديد" الوجه الذي تهفو إليه نفوس المسلمين وتزيين الواجهة القديمة؟

إن ما حدث من تفاعلات اجتماعية بين فتح مكة وغزوة تبوك يقدم لنا أفضل جواب على هذا السؤال الحضاري الكبير، خاصة إذا أردنا أن نقارن "حالنا" اليوم بحال الجيل الأول الذي بناه الإسلام بناء بارعا على أفضل طراز، فكل محاولة لإعادة بناء مجتمع مسلم ستبوء بالفشل إذا لم يعمل أصحابها على إخضاعها لذلكم النموذج الفريد في خطوطه العريضة التي قامت على أساس من العقيدة، ثم أعادت صياعة القلب والعقل انطلاقا من تصور جديد للكون والحياة والإنسان بإخراج خير أمة للناس تقوم على نسيج المجتمع المتفاعل مع الأحداث الكبرى المتسارعة، لاسيما خلال سنتي 08 إلى 10 من الهجرة، بعد أن ترسخت العقيدة في النفوس واستقام التوحيد في القلوب، ولم يعد للشرك موضع في واقع حياة الناس..فاستقامت "العبادة" خالصة لله –خلال 21 سنة- أي بين بداية نزول الوحي وفتح مكة، وتحولت التربية الفردية من القلب والعقل إلى الواقع، أو من العبادات إلى المعاملات لتجسيد معنى : "الدين المعاملة"، عندما برزت، في واقع المجتمع الأول، عشر مؤشرات اجتماعية بحاجة إلى رصد وعلاج :

- كثرة الداخلين في دين الله أفواجا
- كثرة المؤلفة قلوبهم
- تدفق الأموال والغنائم على حظيرة الإسلام
- إنتقال الطبقة الدنيا اقتصاديا إلى الوسطى والعليا
- إلتحاق السادة والكبراء والأعيان بالصف الإسلامي الأول.
- تزاحم ذوي الوجاهة على الصفوف الأمامية دون تسديد ضريبة الانتساب للصف الأول.
- نقض اليهود عهودهم وتحالفهم مع بقايا المشركين وبداية الحرب عليهم منذ غزوة الخندق.
- غلق أسواق مكة ومنتدياتها في وجه المشركين بعد أن قرر القرآن نجاستهم وحرم قربهم من المسجد الحرام "بعد عامهم هذا".
- دينونة أغلب القبائل العربية للإسلام تسليما بالأمر الواقع بعد استسلام هوازن وثقيف
- بروز توترات، تشبه المناورات، على الحدود الشرقية للمدينة المنورة إثر محاولات مشركي العرب طلب العون والمدد من الإمبراطورية الرومانية ومساعي الواقفين وراء مشاريع الضرار لعرقلة تقدم حركة الدعوة خارج حدود شبه جزيرة العرب.

نحن الآن في العام التاسع (09) من الهجرة، أي أنها بقيت سنة واحدة ويختم الوحي التنزيل –بعد حجة الوداع بأشهر قليلة- ومعناه أن المجتمع الإسلامي قد بدأ يأخذ شكله النهائي، ولكي يأخذ المجتمع شكله النموذجي نهائيا فإن تصنيف الناس مهم في واقع هذا التشكيل الأخير، لذلك كان لابد من فرز دقيق في العلاقات وفي طبيعة البناء نفسه، ولابد أن يقوم هذا "الفرز" على أساس العقيدة التي سبق لها أن قسمت الناس – على أساس داخلي- إلى مؤمنين، وكافرين، ومنافقين، أما التصنيف الإجتماعي (الخارجي) فسوف يتم على أساس المعاملة (التي هي ثمرة من ثمرات العقيدة)، لذلك احتاج هذا التصنيف النهائي إلى جولة أخيرة تكشف على ما في السرائر بمواجهة ما بقي مترسبا من "جاهلية" في ثقافة الذين وجدوا أنفسهم فجأة في الصفوف الأمامية يتحدثون باسم المؤسسة الإسلامية في أحرج لحظات الفرز والتصنيف حيث ظهرت على خارطة المجتمع الناشئ أربعة نتوءات بارزة فوق بساط من التناغم الإيماني الغالب على "أصوات النشاز" التي استسلمت للأمر الواقع وما سلَّمت بحقيقة هذا الدين :

- جماعة المدافعين عن مواقعهم السيادية في الصف الأول متترسين بقبائلهم.
- مجموعة الحريصين على تكثير مصالحهم بتحويش الغنائم وضم الريوع لهم ولأبنائهم.
- جيوب المتخندقين مع المسلمين والعمل ببرنامج آخر لا صلة له بالإسلام ولا علم للقيادة به ممن أسميناهم بأصحاب مشاريع الضرار.
- وفلول المنافقين الذين يتحينون الفرص ويترصدون لحظات الفتور والاسترخاء ليرموا بأثقالهم المتمثلة في الإشاعة والدعاية والإرجاف وسط المجتمع الناشئ لخلخلة الصف وتثبيط العاملين وتشويه القيادة وضرب القدوة في الصميم..إلخ

فبين غزوة الخندق (الأحزاب) وجلاء اليهود عن المدينة المنورة إنحسر ظل النفاق وتقلصت أعداد المنافقين إلى أضيق الحدود، وتقطعت الصلات بين اليهود والمنافقين ومشركي العرب، ولكن بعد فتح مكة، التقت مصالح كثير من الداخلين في الإسلام حديثا فتقاطعت توجهاتهم وتقاربت أهدافهم واتسعت دائرة المنافقين وتكاثرت أعدادهم، فلما التحقت جحافل كثيرة بالإسلام أفواجا تقاطعت مصالح البعض فأعادوا ترتيب أنفسهم لجولة قادمة.."وهيْ>كلوا" مصالحهم وصار للنفاق تيار داخل المجتمع الناشيء. كما برزت "من داخل جماعات المصالح" رؤوس تدافع عن مصالح ضيقة وتضغط على القيادة لاستخلاص الريوع.
وقد لاحظ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستويات الإيمان التي صار عليها هؤلاء مقابل تصرفات المؤلفة قلوبهم، وحرصهم الشديد على توسيع حظهم من الغنائم بأخذ حقوقهم و"حقوق" أبنائهم، كما فعل أبو سفيان عندما طلب "حظه" وحظ ولديه (معاوية ويزيد). لكل واحد مائة (100) من الإبل وأربعين (40) قيراطا من فضة.
فكان العلاج منصبا على طبيعة المعاملات لمواجهة ما كان مخبوءا وقذف ما بداخل الصدور إلى سطوح التعامل مع حقائق الميدان، فظهرت مصطلحات جديدة في قاموس المعاملات لم تكن معهودة قبل هذا التاريخ من مثل : القاعدين، الخوالف، الخوض، اللعب، بيوتنا عورة، لا تنفروا في الحرّ، هو أذن، الفرار، ويحلفون بالله، البحث عن ملجأ أو مغارة، اللمز في الصدقات، الرضا بالعطية والسخط حين المنع، إذاية النبيّ، التملق وتأكيد ذلك باليمين: (يحلفون بالله لكم ليرضوكم)، كثرة الاعتذارات، الغياب، لمز المتطوعين، السخرية من العاملين، الفرح بالتخلف..إلخ، وهو قاموس جديد كاف للكشف عما في الصدور من تهيب، وتردد، وتآمر، واستخفاف وتخطيط للفشل..

أن هذه التصرفات الطارئة على طبيعة المجتمع الإسلامي، الغريبة على أخلاقة، الدخيلة على سلوكات المؤمنين.. كانت بحاجة إلى فرز عميق وإلى "تعرية" شاملة لكل ما يمور في النفوس : كشفا، وفضحا، وتأديبا، وتأنيبًا، وتذكيرا، ووعدا، ووعيدا، وأمرا ونهيا، وتهديدا وتأكيدا..وتعرية للنوايا وتفسيرا للخلفيات التي تتحجّج بالمعاذير..ذلك أن إدعاء الإيمان بلسان المقال لا يكفي لاختبار النوايا، وإنما لابد من "ضريبة" يدفعها كل مؤمن لتأكيد الولاء والكشف عن حقيقة معدنه."آلم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟"

لقد تأكدت بالممارسة الميدانية حقيقة مفزعة كنا نجهلها، وهي أن أي صف إسلامي لا يخلو من نهازي فرص ومن واضعي مخططات فشل ومن قارعين طبول الفتنة والإرجاف، حتى لو كان قائده الأول محمدا (صلى الله عليه وسلم)، فمع أن هؤلاء الصائدين في المياه العكرة كانوا يعلمون أن القرآن قد يتنزّل عليهم ليفضح مؤامراتهم ويقذف بسخائم نفوسهم وعلل قلوبهم إلى السطوح إلاّ أن ذلك لم يثنهم عن الخوض والاستهزاء لاعتقادهم أن مجرد الإعتذار كاف ليرفع عنهم تهمة التآمر على الجماعة وإيذاء قيادتها وتشويه سمعتها وتعريضها لامتهانات المرجفين : "يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبؤهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون". ولقد استهزأوا وكشف الله نواياهم، وأخرج ما كانوا يحذرون، وعرفنا –نحن اليوم- أن ضريبة الوقوف في الصف الأول لا تعني دائما خلوّه المرجفين والعاملين على تشويه القدوة وتعفينها..

والحمد لله، فالفتن تمحص الصف وتنقيه من الشوائب وتنفض عنه غبار المرجفين، وتكشف عن جوهر معادن الرجال، وجازى الله الشدائد عنا خيرا، فقد كشفت فعلا عن حقيقة معادن الرجال وبينت واقع طينتهم ووضعت كل واحد في مكانه اللائق به وأعادت ترتيب "الهيكلة التنظيمية" إلى هيكلة إيمانية (سلوكية) لا تهتم كثيرا بالسبق إلاّ إذا ترجمه صاحبه إلى صدق عظيم وخلق قويم ومعاملة داعية إلى الخير، فالحكم على صدق الإيمان ليس خطبا تدبّج وحُججا تقدم وإنما يهمها صدق الولاء والتجرد لخدمة المشروع :

- فما كل واقف في الصف الأول قدوة
- وما كل متأخر في الترتيب ضعيف الإيمان قليل الخبْرة
- وما كل "ملتصق" بالقيادة مستشار ناصح أمين
- وما كل "زاهد" في الزحام قليل الحيلة واهن العزيمة ضعيف الإرادة..
- وما كل من صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خالص الصحبة والولاء..
- فقد كان في "صحبة" رسول الله إبن سلول، وكان في صحبة موسى (ع) السامريّ وقارون..والقائمة طويلة بأسماء الذين كانوا – في ظاهرهم- جزءا من البناء التنظيمي لحركة الدعوة والرسالة.. .

فالبناء التنظيمي شكل إداري لتجميع الطاقات، وتسهيل التعامل مع الناس ولكنه لا يعبر بالضرورة عن حقيقة الجماعة وقدرتها وإمكانياتها ونقاء صفها وأصالة طينتها، فما كل من أخره التنظيم مجروح وما كل من قدمه التنظيم حسن النية سليم الطوية، وصدق من قال : "كم من الناس فينا وليسوا منا، وكم منهم من ليسوا موجودين معنا ولكنهم منا" ذلك أن الفرق بين الانتماء التنظيمي (الهيكلي) والانتماء الإيماني (السلوكي) لا تحدده اللوائح والقوانين إنما تؤكده أو تنفيه المواقف والتضحيات والولاء والبراء والعمل لنصرة المشروع.. وكل ما يدخل في فهم معاني الأركان العشرة التي زهد فيها كثير من الناس اليوم، ولأجل ذلك احتاجت هذه الجولة –مرة أخرى- إلى تقديم كشف شامل عن حقيقة الانتماء للجماعة والولاء لخطها ورسالتها، وضريبة الانتساب للصف الأول بشروطها وأركانها وضوابطها وآدابها ووسائلها وممارساتها الميدانية...

12- مستويات الإيمان ودرجات التنظيم : على خلاف ما يعتقده كثير من أبناء الحركة الإسلامية من أن الحركات الناجحة هي الحركات المنضبطة باللوائح، لأنها الأقل تعرضا للنقد والتجريح والتعرية والإتهام..وهي الحركات التي استطاعت أن "تتموقع" – بسبب قوة تنظيمها- داخل النسيج الرسمي وتطوي صفحات الصراع والصدام مع الأنظمة، وقد استرخى كثير من رجالها وقيادتها في ظل السلطة القائمة مكتفين بالسعي "لترميم" بعض البناءات الاجتماعية الهشة، وتصحيح بعض الأوضاع الاقتصادية المتردية وتقويم بعض الاعوجاج السياسي المتهالك..إلخ، ونحن نؤكد – من خلال دروس السيرة- بأن هذه النظرة صحيحة إذا كان أصحابها يؤمنون بالمرحلية والتدرج في إصلاح الأوضاع العامة، أما إذا كان مبلغ علمهم الإكتفاء بهذه "الترميمات" العارضة، فإن هذه نظرة خاطئة من خمس جهات:
- خاطئة لأنها مخالفة لسنن الله تعالى في التدافع الدائم من أجل التغيير نحو الأفضل
- وخاطئة لأن الأنظمة القائمة لا تريد أن تسلَّم بحق هذا الدين في القيادة والحكم
- وخاطئة لأن سكوت الحق عن "حقه" في الإصلاح يشجع الباطل على التوسع
- وخاطئة لأن التسليم بمنهج الترقيع يوقع أصحابه في وهم إصلاح الظاهر وترك مسألة الباطن لتقديرات الناس، وهي مخالفة صريحة لسنن لله تعالى القائل : "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" فتغيير الإنسان من داخله يتم عن طريق الإنسان نفسه لأنه هو محور الإصلاح الحقيقي وهدفه، أما دون ذلك من ترقيعات وترميمات فهي مجرد "ديكورات" لا تسمن ولا تغني من جوع.
- وأخيرا، خاطئة لأن المعركة قائمة أساسًا على من يملك حق التشريع، ومن يملك سلطة التصرف في المال العام، ومن يضع البرامج والمناهج ويفرض الإيديولوجيات..ويحمي البيضة..

ولأجل هذه الأخطاء الخمسة (05) جاءت سياقات غزوة تبوك لتصحيح المسارات من أساسها فلم تهتم كثيرا بالزخارف التي كدستها الفتوحات الإسلامية الكاسحة، ولم تتناول بالحديث القدرة القتالية العالية التي صار عليها الجيش الإسلامي بعدا زُهاَءِ عشر (10) سنوات من الكرّ والفرّ..إنما اتجهت –هذه المرة- إلى داخل النفس البشرية، وسلطت الأضواء النفسية والتربوية على رجال الصف الأول كقيادات يُفترض فيهم القدوة، مقابل جماعات الغمز واللمز والدعاية والإرجاف..ممن يقفون قريبا من الصفوف الأمامية ويستفيدون بحظ كامل من أسهم القيادات والفرسان في لحظات النصر، فإذا حامت حول الجماعة الشبهات "سلقوها" بألسنة حداد أشحة على الخير، وإذا رأوا المتطوعين لخدمة هذا الدين يتسابقون للتطوع بالصدقات طعنوهم في إيمانهم وشككوا في ولائهم..واعتذروا بأنهم كانوا فقط يخوضون ويلعبون..مع إدراكهم أن الأمر جد، وأن هذا الدين إنما ينتصر بالضعفاء...

ولكي أوضح لك صورة الخليط الاجتماعي الذي "تجمّع" لخوض هذه الغزوة والدفع باتجاه "خلخلة" الصفوف حتى لا يتم النجاح المرجو في نقل الإسلام من مرحلة التأسيس الكامل إلى طور بناء المؤسسات التي سوف ترث الرسالة عن مؤسسها الأول (محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سنة واحدة ونيف بعد غزوة تبوك، ولكي تتضح لك الصورة، التي كان عليها هذا المجتمع، بلا رتوشات ولا ضباب ولا اجتهادات بشرية..أعود بك إلى المنبع الصافي..فقد صور القرآن الكريم "طبيعة" هذا التجمع قبل أن تكتمل صورته النهائية، ولك أنت أن تتأمل جيدا في هذه المعاني الجامعة :

- حملة الدعايات والإشاعات التي بدأت منذ فتح مكة ومازالت مستمرة
- دخول جماعات كثيرة في الإسلام بلا تربية ولا تكوين ولا تأطير
- التحاق قيادات من الوزن الثقيل بالمجتمع الإسلامي ولم تجد مواقعها القيادية في الصفوف الأمامية. فظلت "تخطط" للوصول دون استعداد لدفع ضريبة الصف الأول.
- تحول القبائل العربية كلها تقريبا –خلال سنتين فقط- من الشرك إلى الإسلام ولم تخالط قلوبهم، بعد بشاشة الإيمان بل منهم من وصفهم القرآن الكريم بأنهم : "أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله"، ومنهم كثيرو السماع للأراجيف والشائعات : "وفيكم سماعون لهم"، وآخرون لم يستقرُّوا على حال : "مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"، ومنهم طامعون، وطامحون..و"خلاطون" خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا..إلخ..
- ومندسون داخل الصفوف بانتظار لحظة ضعف الإسلام وتراجع موجة الفتح، وقد وضعوا المخططات اللازمة لضرب وحدة صف الجماعة والانقضاض على الإسلام، وهم متسترون بالإيمان لضربه : "اتخذوا إيمانهم جُنّة" أي وقاية لضرب الإسلام لأسباب متنوعة وأهداف متعددة، كلها ذات طبيعة لصيقة بأنفسهم، منها : المحافظة على مصالحهم، الشح بالنفس والمال، الضعف الإيماني والتلبس بالنفاق، استثقال التكاليف الشرعية والواجبات الإجتماعية، ضبابية الرؤية بسبب كسر السُّلم الاجتماعي وظهور علاقات جديدة لا تقيم كبير وزن للقبيلة وإنما "أخوتها" قائمة على الدين والعقيدة بصرف النظر عن العرق واللون والمكانة الإجتماعية (لا سيادة إلاّ بقوة الإيمان وتحرير الولاء، ولا قيادة إلاّ بالقدوة، ولا ريادة إلاّ بالسبق مع الصدق..والبقية أشكال وصور وأرقام حسابية..).

ولأن الإسلام علّم أتباعه أن يقيموا مجتمعهم على محك الشدة : "الــم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون". ودربهم على المواجهة بالحق والصبر على الأذى وإيثار ما عند الله على ما في أيدي الناس والدينونة بالسمع والطاعة لله ورسوله..فقد وجد "الوافدون الجدد" على المجتمع الناشيء أنفسهم غرباء داخل النسيج الاجتماعي المتناغم والمتصف بثلاث صفات صعبة على من يدفع ضريبة الانتساب للإسلام بكل تكاليفها:
- مجتمع مستقيم جدا : بحيث يظهر فيه أدنى أعوجاج، ولو صدر عن شخص واحد
- ومجتمع نظيف جدا : إلى درجة أن المخطيء يبلَّغ عن نفسه ليتم تطهيره علنا
- ومجتمع متماسك جدا : لأن التضامن الإيماني فيه عقيدة وشريعة وأخلاقا، فلا تجد فيه فردا واحدا يعيش خارج الإطار، ولو كان منافقا، ولا يستطيع راغب في تفكيك هذه العلاقات أن يمضي بعيدا حتى لو تعلق الأمر بحالة عبوس وجه، أو تصعير خذّ، أو تعيير عنصري بالسواد، أو طلاق تعسفي بالظهار..فكل ذلك واقع تحت المراقبة المباشرة للنص القرآني من جهة التنظير، وتحت التقويم الفوري للمربي الأول (صلى الله عليه وسلم) من جهة التنفيذ.

أمام هذه الصورة الناصعة الباض لطبيعة المجتمع المسلم، لم يجد أي فرد "ثغرة" واحدة مفتوحة ليمارس من خلالها شهواته أو يمرر مشاريعه ونزواته وشبهاته، أو يقف في وجه موجه الطهارة العامة (التي فرضت على المجتمع كله الدخول في عموم الصلاح) حيث تحول المجتمع إلى ما يشبه البحر الذي ينظف نفسه بإخراج الجثث الطافية على سطحه، لأن المدينة المنورة –بعد 21 سنة من التربية- صارت تنفي خَبثهَا.

في هذا الواقع الجديد تم ميلاد –أو إخراج بلغة القرآن الكريم- خير أمة أخرجت للناس بمستويات إيمانية عالية وعلاقات إجتماعية متميزة تمت تصفيتها وتنقيتها بالقرآن، كما تمت هيكلتها إيمانيا وفرزها قياديا بالسنة النبوية المطهرة، والذين شذوا عن هذا "الإخراج" تمت تعريتهم وفضحهم ببيان سيرتهم والكشف عما يخفونه في صدورهم من برامج تخذيل ومشاريع ضرار أخذت أشكالا كثيرة وصلت إلى حدّ بناء مسجد ظاهره العبادة والإقامة والصلاة.. وباطنه التخطيط الماكر لضرب الإسلام بميلاد "شرعيتين" للقيادة العليا :
- شرعية المؤسسة القرآنية التي يقودها محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي وضع لها حجر الأساس لأول مسجد أسس على التقوى من أول يوم (مسجد قباء)
- وشرعية التآمر على المؤسسة القرآنية بقيادة أبي عامر الراهب الذي وضع حجر الأساس لأول مسجد ضرار أقامه المتآمرون معه على شفا جرف هار..

ولكي تستوي عندك صورة إخراج المجتمع المسلم من رحم الجاهلية، في القديم، فتساعدك على تصور إعادة "إخراجه" اليوم، من رحم هذا التخبط العولمي، فإننا نرى لازما أن نضع بين يديك تفاصيل مهندسي مشاريع الضرار، ونسوق، كمثال على ذلك، محاولة أبي عامر الراهب المتمثلة في بناء مسجد ضرار أقامه على شفا جرف هار فأنهار به في نار جهنم.

وللحديث بقية..

avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى