محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (09)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (09)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:19 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (09)
خلاصة الحلقة الثامنة : قلنا إن العقل والقلب قد أصابتهما أنواع كثيرة من الشهوات والشبهات كانت بحاجة إلى معالجات تربوية تعيد تشكيلهما في ظل أجواء دخول الناس في دين الله أفواجًا وإقبالهم على الإسلام بغير تربية ولا تأهيل، وهم يحملون ترسبات جاهلية ومشاريع ضرار لابد من الوقوف أمامها طويلا كمستويات إيمان وكدرجات تنظيم، لفرز هذا الخلط الشائه في علاقة الناس بالله وبالمجتمع، وتحديد طبيعة كل صنف، وكشف هذه المشاريع وبيان مخاطرها على محاولة بناء المجتمع المسلم الذي لا يخلو صفه من وجود جماعات مصالح تخطط –من داخله- لمشاريع الضرار.




إمـارة ولو على حجارة

13 مشاريع الضرار : إن تعجب فعجب أن الوحي يتنزل وبعض الناس يفكرون في إقامة مشاريع لهدم الإسلام، بل وبعضهم يخطط لإقامتها على الأرض ويطلب "مباركتها" من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) !؟

ومن أجل كشف هذه المؤامرة التي حدثت في زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) والتحذير من تكرارها اليوم –بصور مختلفة وأشكال متنوعة- فأننا نبسط الحديث في هذه الحلقة حول ما عرف في كتب السيرة المطهرة بـ: "مسجد ضرار"، ما هو هذا المسجد؟ ولماذا بناه من بناه؟ وما علاقته بغزوة تبوك؟ وما هي الدروس المستخلصة منه ومن الواقفين وراء فكرة بنائه؟

في السنة الأولى للهجرة، بل من أول لحظة وطئت فيها أقدام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تراب يثرب (المدينة المنورة) تحركت آلة التخطيط للفشل وتجمَّع أصحاب مشاريع الضرار ليأخذوا "التأشيرة" من القيادة فتبارك مشاريعهم ثم يحولونها ضد الإسلام لضرب قيادته ودعوته بعد أن يضمنوا لها خمسة أمور أساسية هي :
- التأسيس لها خارج إطار الشرعية وبالتوازي معها
- دعوة القيادة لتدشينها وإضفاء الصبغة الشرعية عليها
- حشد الناس لتعميرها وجمعهم على ما لا يعلمون من نية أصحابها
- محاولة "تفريغ" أو إفراغ المؤسسات الشرعية من عمّارها
- التفاخر على الناس بأن لهم "مؤسسات" باركها، أو سوف يباركها، رسول الله
يوم الاثنين 12 ربيع الأولمن السنة الثالثة عشر (13) للبعثة –السنة الأولى للهجرة- نزل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أرض المدينة المنورة، وكان أول منزل له بقباء التي كانت تبعد حوالي 04 كلم على يسار السوق العام القديم، وكانت أول ضيافته على كلثوم بن الهدم (شيخ بني عمرو بن عوف) في منزل بني عوف من الأوس، - بالإضافة إلى منازل أبي أيوب الأنصاري-وبقي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الديار أربعة عشر (14) يوم للراحة والتقاط أنفاس رحلة الهجرة الشريفة التي لم تكن سهلة، وفي اليوم الخامس قصد المدينة المنورة.

هذه الأيام الأربعة عشر (14) لم تكن للنوم والاستجمام، رغم ما أصاب الركب من تعب ونصب، فقد علَّم فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الناس حقيقة هذا الدين و ما نزل من الوحي، وأسس فيها مسجد قباء وصلى فيه بالمؤمنين صلاة جماعة مُعلنةً لأول مرة في تاريخ الدعوة، ومن شدة حرصه على الصلاة فيه –كونه أول مسجد أسس على التقوى من أول يوم من أيام الهجرة- كان (صلى الله عليه وسلم) يزوره كل يوم سبت ويصلي فيه بالناس باتجاه بيت المقدس قبل أن تتحول القبلة باتجاه البيت الحرام، وهذه المداومة على الصلاة في مسجد قباء كل يوم سبت أعطت لقبيلة الأوس الأنصارية مصداقية لم يحلموا بها ولا خطرت لهم على بال، فصاروا محط أنصار أهل المدينة قبل بناء المسجد النبوي الشريف، وصار مسجد قباء "كعبة" المهاجرين والأنصار..

ولأن كل ذي نعمة محسود، فقد تحركت ثعابين الحقد في قلوب بعض الناس وتساءلوا : كيف يذهب كلثوم بن الهدم (شيخ قبيلة عمرو بن عوف الأنصاري الأوسي) بكل هذا الفضل؟ ويزكيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات :
- يزكي شخصه بالنزول عنده قبل غيره
- ويزكي أرضه بإقامة مسجد فوقها
- ويزكي قبيلته بأن يخصَّهم بيوم للزيارة كل أسبوع هو يوم السبت
كان أول من أثار هذا الموضوع هم بنو غنم بن عوف (الأوسيون الأنصاريون) أبناء عمومة بني عمرو بن عوف (الأوسيين الأنصاريين) بالقول ما مفاده : إن أبناء عمومتنا قد علا شأنهم بمسجد قباء الذي بناه رسول الله وأقام فيه أول صلاة جمعة ويزوره كل يوم سبت ماشيا مرة وراكبا مرة..إلخ فضاعت منهم الشرعية.. وهكذا انحسرت الأضواء عن حيهم لتنير حي أبناء عمومتهم في مسجد قباء وما حوله.
- كان كبيرهم في هذه الخطة هو أبوعامر الراهب (سيد الأوس)
- وكان كبير الخزرج وسيدهم هو عبد الله بن أبي أبن سلول
- وكان بين القبيلتين عدوات وتناحر وحروب وثارات..حقن الإسلام دماءهم بهجرة محمد (صلى الله عليه وسلم)
- وكان إبن سلول على وشك أن يتوج (ملكا) على الخزرج لولا هجرة محمد (صلى الله عليه وسلم) التي فوتت عليه هذه الفرصة، في نظر نفسه..
- كما كان أبو عامر الراهب يتطلع إلى هذه المكانة "ملكا" على الأوس فأبطل الإسلام سحره.

أخلطت الهجرة النبوية هذه الأوراق كلها، ووجدت قبائل المدينة المنورة، في دخول الإسلام وانتشاره، حلا لجميع المشكلات التي كانت تتخبط فيها منذ أيام حرب البسوس فاستكانت لرحمة هذا الدين، لكن بعض القيادات القديمة لم يعجبها هذا الوضع الجديد لأنه فوت عليها مصالح شخصية وأسقط شخصيات كانت تتطلع مرموقة للتتويج بالملك، فأسلمت ظاهرا على مضض وأخفت حقيقة مشاريعها وخبث برامجها إلى حين..
وهذا هو منهج الذين يريدون أن ينتسبوا للإسلام لخدمة مصالحهم الخاصة..ولذلك، لما بلغ خبر بناء مسجد قباء إلى كبير الأوس وسيدها (أبي عامر الراهب) استشاط غضبا وفكر في مشروع ضرار يستند على ست نقاط اقترحها على قومه للتنفيذ، برغم أنه كان نصرانيا (بل راهبا) لا يؤمن برسالة الإسلام أصلا ولا بالدين الذي جاء به محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكن المصلحة تقتضي هذا النوع من الاختفاء والتآمر على الإسلام وأهله، : "اتخذوا أيمانكم جنّة ليصدوا عن سبيل الله" وكانت خلاصة الخطة ما يلي :
- التوقف عن إقامة الصلاة في مسجد قباء من طرف أتباعه..
- الزعم بأنه أقيم في مربط حمار لامرأة أوسية، وإشاعة أنه (مسجد الحمار)
- إقامة مسجد على أرضهم في مكان عال يكون أجمل وأفضل من مسجد قباء
- أن يصلي فيه محمد (صلى الله عليه وسلم) وسيدهم الراهب بشكل متناوب
- تكليف مجموعة تتحدث داخل المسجد عن تفاهة الإسلام وعظمة الرهبانية
- التخطيط سرا لتشكيل جيش سوف يدعمه قيصر الروم للإجهاز على محمد ودعوته.

وقدرا مقدورا، كانوا قد أنهوا بناءه وتزيينه يوم أن كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجند الناس ويعبؤهم للخروج إلى تبوك (أي بعد تسع سنوات مضت على تأسيس مسجد قباء) حيث جاء من يخبره بأن "المشروع" قد أصبح جاهزا وأن جمعا غفيرا من الناس بانتظار "تدشينه" ومباركته من طرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لتنطلق منه الدعوة، (بعد ترسيم شرعية الضرار)، ولأنهم كانوا يدركون شدة ذكاء رسول الله وواسع فطنته لما يخططون له فقد قدموا له أعذارًا كثيرة كان من أبرزها :
- أن هذا المسجد أقيم لذوي الأعذار والعلل والحاجة
- أن الصلاة فيه إنما تكون في أيام المطر وليالي الشتاء
- أنه أقيم بناء على طلب من أهل الحي والمحيط الجواري
ولأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان مشغولا –كأولوية عاجلة- بحث الناس على التجهز لحرب بني الأصفر (الروم) وتجهيز الجيش للخروج للغزوة الفاصلة فقد اعتذر لهم عن استحالة قطع تواصله واتصاله بالناس وتحريضهم على القتال والخروج لغزوة العسرة..وأعطاهم ما يشبه الوعد – بعد الاعتذار- بأنه بعد عودته من الغزوة، إن شاء الله، سوف يلبي لهم ملتمسهم بتدشينه والصلاة فيه وإضفاء الشرعية عليه..

لكن في طريق العودة من الغزوة نزل القرآن الكريم فاضحا لمخططاتهم وكاشفا عن نواياهم ومعريا لمشاريع الضرار وراسما منهج التعامل مع كل الذين يبرمجون لإقامة مؤسسات ضرار تبدو، في ظاهرها، خادمة للإسلام ومساهمة في الجهد الدعوي العام ولكنها في حقيقة أمرها، إنما هي مشاريع أقامها أصحابها : "ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين".

وهنا لابد من وقفة طويلة أمام عظمة هذه الآيات المزلزلة : "والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفروا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلاّ الحسنى والله يشهد أنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبدا.."، يا سبحان الله !!؟ بكل صفاقة وجه يحلفون على أنهم أهل إحسان : "إن أردنا إلاّ الحسنى"..لقد جاء بعض القائمين على بناء هذا المشروع إلى الرسول يحلفون بالله أنهم إنما أقاموا هذه المشاريع (الضرار) بقصد الصلاح والحسنى وفعل الخير..لكن القرآن كشف نواياهم..ثم يستطرد النص القرآني فاضحا لنواياهم وكاشفا لأسرارهم وممزقا لأستارهم ومقارنا بين المسجدين (مسجد قباء، ومسجد الضرار) إلى أن يختم بالقول : "لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلاّ أن تقطع قلوبهم والله عليهم حكيم". لو كانت مشاريعهم خيرا لصفت نياتهم وما احتاجوا إلى تأكيدها باليمين الكاذبة، ولكن المشاريع المشبوهة "ريبة" في قلوب أصحابها..وهي كذلك حتى يكشفها الله فتتقطع قلوبهم..
يا سبحان الله :
إثنا عشر (12) نفرا من المنافقين صنعوا كل هذا الدويّ، داخل مجتمع تجاوز تعداده العام المائة وعشرين ألفا (120.000) من المسلمين..فقد استغلوا غياب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن المدينة ستة وسبعين (76) يوما فبنوا المسجد وجمعوا حولهم الطيبين من الناس باسم شرعية إقامة المسجد، واستدرجوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليدشن، ويبارك، ويصلي بهم ويعطيهم إشارة العمل بشرعية الفساد الذي كشفت عنه هذه الآيات في سبع صفات بشعة (الآيات 170 إلى 110 من سورة التوبة):
- فهو مسجد ضرار : فيه مضارة لأهل مسجد قباء ومنافسة غير شريفة
- وهو مشروع كفر : لأنهم بنوه بأمر وتخطيط من أبي عامر الراهب ليتآمر من داخله على الإسلام والمسلمين، ويخطط فيه لحرب محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه..
- وهو برنامج دعوي مغرض للتفريق بين المؤمنين لتفريغ مسجد قباء والسعي في خرابه
- وهو مخطط إرصاد : أي ترقب وانتظار انكسار شوكة الإسلام للانقضاض عليه
- وهو مقر مشبوه لخصوم الإسلام ولمن حارب الله ورسوله ومازال بعضهم يزعم الرهبانية ويستعين بقيصر ليمده بالجيوش فيحارب بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
- وهو بناء قام على المؤامرة والدسيسة المؤكدة بألقسم الذي يزعم أصحابه أنهم ما أرادوا من وراء إقامته إلاّ حل مشكلات المرضى والعاجزين عن الصلاة في مسجد قباء (الذي لا يبعد عن هذا المسجد سوى 900م تقريبا) وهم كاذبون مخادعون بشهادة الله تعالى : "والله يشهد أنهم لكاذبون".
- وهو، قبل ذلك وبعد ذلك، قائم على نية فاسدة تعمي أصحابها عن الصواب فيقيموا مشاريعهم على شفا جرف هار..

وبهذه الصفات السبع الذميمة..ولهذه الأهداف الخسيسة..أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وسلم) أن لا يقوم فيه أبدا ولا يعطي أصحابه أية شرعية يستخدمونها لطعن المسلمين في ظهورهم، وكشف تلاعبهم وزيف ولائهم للقيادة، بل فضح كذبهم على الله ورسوله، ونهاه عن تنفيذ ما كان قد وعدهم به قبل انطلاقه لغزوة تبوك من أنه بعد رجوعه سوف يصلي بهم فيه : "لا تقم فيه أبدا" لا قبل الغزوة ولا بعدها..
- لم يذهب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليهم ولم يقم (مجرد الوقوف) في هذا المسجد المزعوم، بل لم يشرفهم بشرف هدمه حتى لا يصبح هدمه بيدي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قضية يتاجرون بها (وقد يتسمح بعضهم على بقايا الحجارة التي لمستها يداه الشريفتان؟؟)
- أرسل جماعة من المتطوعين من بينهم وحشي، وأمرهم أن يحرقوه ويهدموه بين المغرب والعشاء ولا يتركوا له أثر..
- ولكي يكسر مزاعم الهيبة لكل عمل فيه ضرار أمر أن يتم تحويل مكانه إلى كناسة (مزبلة) تلقى فيها الفضلات والجيف..

هل انتهى الدرس هنا؟ وهل توقفت مشاريع الضرار؟
لا. والله، ما توقفت..ولن تتوقف..ولأنها مستمرة في الزمن، فإن هناك جملة من الدروس التربوية ما أحوجنا اليوم إلى فقهها لندرك أن مشاريع الضرار لابد أن تهدم من أساسها وتُحوّل إلى كناسات، ولأن السكوت عنها هو تأجيل غير مبرَّر لما أمر الله تعالى أن يُهدم فورا وينهار بأصحابه في نار جهنم، لأنها مشاريع قائمة على شفا جرف هار، وهي بهذه الطبيعة الغادرة لا تستحق أن تظل قائمة –ولو للحظة واحدة- على مجرد الشك في أنها قد تنفع أو أن أصحابها قد يتوبون، والله تعالى شهد عليهم بأنهم كاذبون، وبأن بنيانهم الذي بنوه سوف يظل: "ريبة في قلوبهم" لأنهم يخادعون أهل الإيمان بالمشاريع المشبوهة ويكتمون نواياهم ويخفون حقيقة أفعالهم حتى تتقطع قلوبهم غيظا إذا انتصرت المشاريع القائمة على تقوى من الله ورضوان، وذهبت مشاريعهم هباء منشور..

ولن أترك الحديث عن "فقه" مسجد ضرار حتى أسوق إليك هذه الباقة من الدروس المربية :
أولها، أن كثيرًا من الناس يتمسحون بالإسلام وبقيادات العمل الإسلامي لانتزاع الشرعية منهم ليصبحوا زعماء وقادة..يعرضون مشاريع ضرار تعيدهم إلى الواجهة وينظفون بها صورة الماضي، ويكسبون من خلالها المصداقية لأنفسهم..ثم بعد ذلك يقلبون للإسلام وقياداته ظهر المجن.
وثانيها، أن المصلحة الشخصية، لحملة مشاريع الضرار، تطغى في أحايين كثيرة على المصلحة العامة، لاسيما إذا وجدت لها غطاء شرعيا يحمل الناس على التعاطف مع القضايا العادلة ومع ذوي العاهات والمرضى والمسنين..فيغلف بعض الناس مصالحهم الشخصية بمسحة من العمل الإغاثي لخدمة الإنسانية، (العجائز، والأطفال، والنساء، والعاجزين..إلخ) وهم في واقع الأمر لا يخدمون إلاّ مشاريعهم ولا "يغيثون" إلاّ أنفسهم.
وثالثها، أن المندسين في الصفوف الأمامية - باسم الدعوة- كثيرون ولا يمكن اكتشافهم إلاّ في لحظات العسرة، لذلك كانت "الهزات" التربوية لازمة – بين الفينة والأخرى- حتى تكتشف القيادة "خبايا" هؤلاء المندسين إذا واجهتهم تكاليف الدعوة فوجدوا أنفسهم يتحججون بمقالة : "لا تنفروا في الحرّ". واقعدوا مع القاعدين لأن بيوتهم "عورة" بزعمهم..وسواها من الأعذار..
ورابعها، أن الكذب على الله وعلى رسوله سلوك قديم، وأن لبعض الناس وجوها صفيقة لا يتورعون عن التدليس باسم الإسلام ويحلفون بالله إن أردنا إلا الحسنى : "والله يشهد أنهم لكاذبون".ّ
وخامسها، أن التهاون مع هذه "الرهوط" والسكوت عن مشاريع الضرار.. يغريهم بالتمادي في غيّهم وتطاولهم على الدعوة ورجالها، لذلك كان واجبًا كشفهم وتعريتهم ليعرفهم الناس، ذلك أن كشف مخططات الضرار واجب شرعي لا يقوم واجب فرز الصف إلاّ به، وليس لذلك إلاّ طريق واحد هو الطلب رسميا وعلنيا من هؤلاء المتطاولين أن يحددوا موقفهم من القيادة ومؤسساتها وأن يعلنوا ذلك صراحة على الملأ وألاّ يستمروا في سياسة اللعب على الحبلين (بالصلاة خلف علي والأكل مع معاوية !) وبناء مؤسسات موازية لمؤسسات الجماعة (ولو في صورة مسجد للصلاة) إلاّ بعلم الجماعة وإذنها، فيد الله مع الجماعة ومن شذّ سَذ في النار..
وسادسها، أن كل مشروع تقوم به "جماعة" من المرتزقة ولا تستشير فيه القيادة، وتريد أن تجرها – بعد إقامة مشاريع الضرار- إلى سياسة الأمر الواقع، هو مشروع ضرار، مهما كانت أعذار ومبررات ومسوغات القائمين عليه، ولذلك يجب المسارعة بإيقاف هذه المشاريع فورا وهدمها وإزالتها من الأرض، لأنهم لو أرادوا الخير للإسلام والنفع للمسلمين لأدرجوا مشاريعهم ضمن مخططات المؤسسة بعلم قيادتها وضمن أطر متفق عليها، ولكنهم يعملون خارج الأطر وهم مرتابون في أمر القيادة، ولذلك سيبقى بنيانهم : "ريبة في قلوبهم إلاّ أن تقطع قلوبهم".
وسابعها، وأخيرا، لا يخلو أي مشروع من هذه المشاريع من مؤامرة يقف وراءها مغرضون، ولا تخلو خططهم ومخططاتهم من دسائس، مهما حلفوا بالله، ذلك أن ولاءهم لغير القيادة ومخططاتهم ليست نابعة من قناعاتهم، بل هناك "إملاءات" قد تكون داخلية أو خارجية وهم فيها منفذون، وهو الأمر الذي كشف عنه مشروع مسجد الضرار الذي كان من وحي راهب طامع في قيادة مجتمع المدينة، وظل محاربا للإسلام معبئا له الخصوم محرضا على الإساءة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى انتهى نهاية مؤسفة.

لقد تزعم أبو عامر الراهب هذه الحملة وخطط لها وأقام مسجدا ليُؤكد قداسة عمله..وهي خطة جهنمية حاول أن يخترق بها جدار المجتمع الإسلامي ويجعل لنفسه منبرا يخطب من فوقه على كل من يحمل نفس مشاريع الضرار، وحول هذا المنبر يعمل على "هيكلة" رجاله سرًّا، وانجاز ما عجز عنه المحاربون لله ولرسوله، لكن العناية الإلهية كشفت هذه المخططات قبل أن يستفحل أمرها، وعرت أصحابها وفضحتهم، وأرشدتنا إلى طريقة التعامل مع مشاريع الضرار :
- فقد هُدم المسجد (نعم..مسجد) مباشرة بعد عودة رسول الله من غزوة تبوك، حتى لا يتحول إلى معقل للغاضبين
- وكُشف أمر هذا الراهب الدعي وسماه رسول الله "الفاسق" ليعرفه الناس بصفته الحقيقية بدل صفة (الراهب) التي كان يتستر تحتها، ولا علاقة لها بالرهبانية ولا بالإسلام؟؟
- ولما جادل رسول الله في معنى الحنيفية التي كان يتسترخلفها وغلبه رسول الله، في بداية الدعوة وقبل أن ينتشر الإسلام، كذّبه هذا الدعيّ بكل صفاقة وجه، فدعا عليه رسول الله وقال له أمام الناس : "الكاذب أماته الله غريبا..طريدا..وحيدا"
- عاش في المدينة، قبل الهجرة متآمرا على الإسلام، فلما سمع بمقدم رسول الله هرب إلى مكة المكرمة، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف هرب إلى الشام ومات –كما دعا عليه رسول الله- غريبا، طريدا، وحيدا.

وصدق الله ورسوله : فقد عاش هذا الفاسق طول حياته محاربا لله ورسوله، وهو الذي حفر الحفر يوم أحد فسقط في إحداها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد استأذن إبنه حنظلة بن عامر (غسيل الملائكة يوم أحد) رسول الله أن يأذن له بقتله فنهاه عن ذلك، وبعد أقل من ثلاث ساعات لاقى حنطلة ربه شهيدا فغسلته الملائكة (في قصة معروفة) وطهر الله يديه من دم والده الفاسق الذي عاش حياة بئيسة باحثا عن المجد والشهرة في قومه الأوس، مزاحما لسيد الخزرج ابن سلول..وانتهى كلاهما نهايتين مخزييْن.. وسقطت مشاريع الضرار في المياه الراكدة وكتب الله "لأغلبن أنا ورسلي".

وما أبشع أن تتعطش النفس البشرية للإمارة ولو على حجارة؟؟

فما هو أعظم درس نستنتجه اليوم من هذه القصة المثيرة التي بدأت أحداثها يوم الهجرة ببناء مسجد قباء وانتهت بوفاة "مهندس" مشاريع الضرار (أبو عامر الراهب) غريبا، طريدا، وحيدا.. تماما كما دعا عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟؟

إن خلاصة هذا الدرس البليغ الذي نستنتجه من "نضالات" زعماء مشاريع الضرار – قديما وحديثا- هو خلاصة ما أرشد إليه القرآن الكريم ونفذه رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو درس تربوي عظيم يتمحور حول عنوانين كبيرين هما :
أولهما، النموُّ خارج المؤسسات : أن مشاريع الضرار يريد لها أصحابها أن تنمو خارج المؤسسات، وأن يشرفوا هُم أنفسهم –دون سواهم- على إدارتها ووضع برامجها وأن يختاروا بأنفسهم من يسيرها ومن يحضر مجالسها، وقد يفتحونها أحيانا لعامة الناس (ذرا للرماد في العيون) ولكنهم سرعان ما يعيدون غلقها في وجوههم معلنين أنها لذوي الأعذار، ومن داخلها "يسوقون" لمخططاتهم السافلة لضرب الإسلام بالإسلام، وإقامة مسجد "على شفا جرف هار" لمواجهة مسجد أسّس "على تقوى من الله ورضوان" والهدف الكبير لهذا الدرس هو:
- ألاّ نتعامل مع أصحاب مشاريع الضرار، فلا نزكيهم ولا نزور مشاريعهم.
- ولا نكثر سوادكم ونعمل على "كشف خفايا" مؤسساتهم، إذا تمادوا..لأن شعارهم إرصاد الحق وأهله.. فلا أصحاب الضرار خاسرون ولا أهل الحق رابحون؟؟ وهذه هي فلسفة الضرار؟؟ (مادمنا خاسرين فلن نشرككم لتربحوا)
وثانيهما، التطاول على القيادة : إن جرأة أصحاب مشاريع الضرار كبيرة، فهم لا يتورعون عن المداهنة، والنفاق، والكذب، واليمين الكاذبة، واستدراج القيادة لمباركة مشاريعهم وإضفاء الشرعية عليها، والعمل من وراء الظهرعلى محاربة الشرعية، و"ازدواجية" الولاء والتربص بالإسلام وقيادته والاستقواء بخصوم الإسلام..إلخ، وكل ذلك يفعلونه وأكثر من ذلك يخفونه، لا يرقبوا في مؤمن إلاًّ ولا ذمة : "يرضونكم بأفواهكم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون" لذلك أطلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صفة "الفاسق" على رئيس عصابة حركة مشاريع الضرار (أبو عامر الراهب) ليحذرنا من جرأتهم على الكذب وقدرتهم على البكاء والاستعطاف، وجفاف وجوههم من ماء الحياء إلى درجة تفكيرهم في بناء مسجد (نعم..مسجد) "على شفا جرف هار" ليواجهوا به مسجدا أقيم "على تقوى من الله ورضوان"، وشتان بين الزبد الذاهب جفاء وبين ما ينفع الناس لأنه ماكث في الأرض، والمعركة كلها – اليوم كما بالأمس- تدور رحاها بين فريقين : فريق صفا دينه واستقامت عقيدته وصح ولاؤه، فهو عامل لله ورسوله لا يهمه أن يكون في العير أو في النفير، في المقدمة أو في مؤخرة الصفوف، وفريق من "مهندسي" مشاريع الضرار الذين إذا أُعطوا من الصدقات، واستفادوا من الريوع ووصلوا إلى ما يريدون رضوا. "وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون". فالحكاية كلهــا –بالنسبة لهؤلاء- حكاية مصالح وغنائم وهدايا وأعطيات. فإن لم يكن ذلك : فضرارا وكفرا، ، وتفريقا بين المؤمنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله.

وللحديث بقية


avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى