محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (11)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (11)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:24 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (11)
خلاصة الحلقة العاشرة : رصدنا فيها حركة النفس البشرية وتفاعلها مع الأحداث لاسيما ما تعلق بانتصارات الإسلام وطمع المؤلفة قلوبهم في غنائم الحرب وكيف عالج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الظاهرة، واستطاع أن يكسب قلوب أقوام كانوا قد أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله ثم أسلموا وشكلوا نسيجا غير متجانس داخل فئآت المجتمع الجديد..





وأشرنا إلى عظمة هذا الدين، وهو يبني النفوس، ويصلح القلوب، ويعيد تشكيل العقول..بما لا يترك أي فرصة لحاقد أن يجد "ثغرة" يتسلل منها لضرب الإسلام أو التحامل على رموزه وقياداته، وقد استوقفتنا ظاهرة عجيبة في طبيعة هذا الدين هي : العمل على قطع الإنسان من كل الوشائج الترابية (الدنيوية) لربطه بالله (بالعقيدة) ثم بناء كل شيء على هذا الأساس.

مسلمون أم مؤلفة قلـوبهم؟

15- نحن المؤلفة قلوبهم : لنعد قليلا إلى واقعنا لنقول : أن كثيرا من المسلمين اليوم سيثورون ويغضبون إذا وجدوا أنفسهم من "المؤلفة قلوبهم"، وأن الكثيرين سوف يتنفسون الصعداء عندما يجدون أن "مقاييس" المؤلفة قلوبهم تنطبق عليهم تماما، وأن الاعتراف بالحق –مهما كان مرَّا- أفضل من التعصب للباطل، ولو كانت فيه راحة النفس.

لقد سجل الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) كلمة ستكون المفتاح التربوي لكل ما سوف أبسطه – بين أيديكم- في هذه الحلقة، لتأكيد أربعة معانٍ يصعب هضمها بسهولة، ولكنها صارت جزءا من واقعنا اليوم، وهي :
- أن القليلين منا هم من مازال يحمل همّ الإسلام اليوم، والأغلبية الساحقة صاروا عبئا على الإسلام من كثرة ما قدم لهم من خدمات.. وما أعطاهم من مواقع وما رفعهم درجات..دون أن يقدموا له شيئًا يذكر.
- أن رهوطا لا وزن لهم ولا قيمة يكورون فوق رؤوسهم عمائم ويسدلون على صدورهم لحى ويكثرون من الحوقلة والبسملة والاسترجاع..وليس لهم من الزاد إلاّ بسطة الجسم.. صاروا اليوم يتحدثون باسم الإسلام وينتقدون رجاله وعلماءه زاعمين أنهم وحدهم المسلمون وما سواهم فهم – في نظر محتكري التحدث باسم الإسلام- من أهل الذّمة ومن في حكمهم، وهؤلاء الرهوط لم يقدموا للإسلام إلاّ مشاريع معارك التلهية وبرامج استعداء الناس ضد الإسلام وأهله.
- أن قيادات جديدة قذفت بها موجات "الإسلام الرقمي" أو "الإسلام الأنيق" قد تصدرت المجالس وتزاحمت على أبواب المرور الأساسي (الذي لا يطلب من صاحبه شيئًا إلاّ أن يترشح في قائمة انتخابية –بغير مؤهلات- فيجد نفسه ذا حصانة ومال وسطوة وعلاقات) فإذا بهذه القيادات الجديدة تحتكر التحدث باسم الإسلام لأنها وجدت نفسها مستشرفة ولها "منابر" ترسل من خلالها الرسائل وتتواصل مع العالم الخارجي دون أن يعرف الناس لها ماض في الدعوة والتربية، أو سبق لها أن دفعت شيئا من "ضريبة" العمل الإسلامي.
- وصنف أخير من "المؤلفة قلوبهم" ينطبق عليهم قوله تعالى : "ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون"، وصدق الله العظيم إذ وصفهم بهذه الصفات القائمة فينا اليوم وكأن الآية تنزلت الآن لتكشف عن علاقة هؤلاء بالإسلام :
• اللمز في الصدقات، لأنها تتحرك تحت مراقبتهم
• الرضا إذا نالوا حظهم منها، كونهم المستحقين لها دون سواهم؟؟
• ا لسخط إذا منعوا، ولو بوجه حق، لاعتقادهم أنهم أولى بها، بل وأحق من جميع المسلمين أن يستمتعوا بالمغانم والريوع ولو كانوا من الذين لم يقدموا، في كل مسارهم، للإسلام –ولهذه الدعوة- نقيرا ولا قطميرا..
يقول الشيخ محمد الغزالي معقبا على سلوكات المؤلفة قلوبهم الذين تزاحموا يوم حنين على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لينالوا حظهم من الغنائم : "وأقبل رؤساء القبائل وأولو التهمة يتسابقون إلى أخد ما يمكن أخذه، وشاع في الناس أن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال..وإن أعين القوم تكاد تخرج من المهاجر تطلعا إلى الدنيا، وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مآزقه الأولى بل كانوا هم العقبات الصلدة التي اعترضت مسيلة حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الآخرة، المؤثرين ما عند الله.."

إلى أن يقول : "والعجب أن هؤلاء الذين فروا عند الفزع هم الذين كثروا عند الطمع" وماذا يصنع الإسلام مع هذه الرهوط؟ وماذا تفعل معهم القيادة؟ ويجيب : " إن في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم، لا من عقولهم..هذه الأصناف من الناس تحتاج إلى فنون من الإغراء (المادي) حتى تستأنس بالإيمان وتهش إليه" انتهى كلام الغزالي.

لقد اختلفت آراء الصحابة (عليهم الرضوان) في فهم الطريقة الجديدة التي سلكها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في تقسيم غنائم حنين وغابت عنهم الحكمة التي سجلها التاريخ من أن إصلاح القلوب هو رسالة الأنباء والمرسلين جميعا (ع). فكيف نصلح القلوب؟ وهل هناك فقه نبوي لإنجاز هذه العملية التربوية الشاقة؟

15- تربية القيادة العليا : لقد فسّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحكمة من هذا الصنيع مبينا أن المسألة (مسألة تقسيم الغنائم) لا علاقة لها بالسبق أو الصدق أو الولاء أو البلاء في الحرب..وإنما هي تربية لصيقة بالنفس البشرية، حيث قال : "إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب" فلما سمعها عمرو قال: "فما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم"، فالكلمة الطيبة أفضل من كنوز الدنيا.

ولكن – في منطق المؤلفة قلوبهم – لا يُعدّ الكلام شيئًا إذا ما قورن بالذهب والفضة والمقامات العليا، لذلك تزاحموا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى اضطروه إلى شجرة فنزعت عنه رداءه، بينما اكتفى الأنصار جميعا (وهم الذين ثبتوا لما فر المؤلفة قلوبهم) اكتفوا بمجرد السؤال والاستفسار عن الحكمة من حرمانهم رغبة في أن يعرف الناس الحق، فلا يجد من في قلوبهم مرض طريقة للطعن في سبقهم وصدقهم وولائهم :
- فلا يقال حرمهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأنه فضل عليهم المهاجرون
- أو منعهم حقهم وأعطاه للمؤلفة قلوبهم (ربما تجنبا لإثارة سخطهم)
- أو حابى قريشا على حساب أهل يثرب (بعد أن مكن الله لهذا الدين)
- أو هاجر إليهم مستضعفا وتغافل عنهم لما مكّن الله له في الأرض
- أو اعتمد على مالهم في لحظات الفاقة فلما فتحت عليه الدنيا كنوز هوازن وثقيف عوّض أهل مكة ما فقدوه، قبل الهجرة، ليخفف عنهم حالة انكسار النفس يوم الفتح ولم يعوض الأنصار شيئا..إلخ ما يمكن أن يرجف به المرجفون و "يتسوّق" له الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

وبالفعل، فقد استغرب الأنصار هذا التصرف الجديد من رسول الله، وبدأ الشيطان يكتشف ثغرات داخل الصف عندما قال رجل – من الأنصار- معلقا على ما رآه من هذه القسمة التي آلت إلى القرشيين والمؤلفة قلوبهم وحُرم منها الأنصار : "لقيّ والله رسول الله قومه" ومعناها مؤلم جدا..بل فيه تهمة صريحة موجهة لرسول الله، وهي تهمة مرّة لأنها صدرت من داخل الصف ، تطعن في القدوة وتحمل دلالات مغرضة تقول :
- لقد عاد محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى قومه (قريش) بعد طول غياب
- لقد تذكر اليوم قريشا ومكة ونسي المدينة المنورة وأهلها
- لقد اجتمعت له القبائل المكية وما حولها فنسي قبائل يثرب
- لقد رجع إلى المهاجرين ونسي الأنصار.

وسبحان الله..فالناس هم الناس إذا غفلوا عن حقهم في طلب التوضيح من القائد..وهو أدب شرعي، بل هو حقّ وواجب أن يستفسر "الجنود" قائدهم عما أُشكل عليهم فهمه، أما أن يبنوا أحكاما على ظاهر ما سمعوه أو ما فهموه فتلك مصيبة..

وسمعها سعد بن عبادة (سيد الأنصار) رضي الله عنه فقام بتطويقها في أضيق دوائرها، ولم يكتمها، ولم ينشرها.. فنقلها بسرعة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى لا يسري مفعولها في القلوب المريضة وتعمل على نشرها الألسنُ السائبة كما تنتشر النار في الهشيم، أليس الإسلام قد علمنا أنه إذا جاءنا أمر من الأمن أو الخوف لا يجوز لنا إذاعته في الناس، وإنما يجب علينا رده إلى القيادة لأنها وحدها القادرة على أن تستنبط منه الخير وتحذرنا مما فيه من شرور وفتن، فقال سعد : "يا رسول الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم" قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : فيمَ؟" قال "فيما كان قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء".
- قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "فأين أنت من ذلك يا سعد؟"
- قال سعد : "ما أنا إلاّ أمرؤ (أو رجل) من قومي"
- فقال (صلى الله عليه وسلم) : "أجمع لي قومك في هذه الحظيرة فإن اجتمعوا فأعلمني".
وقبل أن نشهد اجتماع الأنصار وما سوف يشرح به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهجه الجديد في تقسيم الغنائم لا بدّ أن نقتبس من نور سعد بن عبادة (رضي الله عنه) درسين عظيمين ولو شئت لجعلتها عشرة دروس ولكن الطول مخل :

أولها، أنقل ما تسمع للقائد : المسارعة بنقل ما سمع للقيادة في أدب وخلق ودون أن يذكر إسم الرجل الذي قال : "لقي، والله، رسول الله قومه" حتى أن التاريخ لم يذكره، ولا أحد يعرف من هو، لأن المهم ليس التشهير بمن قال والتجريح فيمن وقع في الخطأ، وليس الهدف كذلك إيغار صدور السامعين أو دفع القيادة إلى تأديب القائل أو إيغار صدرها عليه..فكل ذلك يناقض الفطرة النقية وترفضه الرجولة وتأباه المروءة، إنما الهدف هدفان :
- تطويق الفتنة في مهدها بمعرفة الحقيقة بالتبين من المصدر (القيادة)
- ومعرفة خلفيات الفعل قطعا لأي تفسير مغرض أو تأويل متحامل..
وثانيها، تحرّي الصدق في النقل : الصدق مع الله ومع الناس ومع القيادة، بحيث لم يقل له : إن قومي كلهم غضاب إلاّ أنا، بل قال له بمنتهى الصدق : أنا أيضا في نفسي شيء مما رأيته منك اليوم يا رسول الله.. لأنني "رجل من قومي" لحما ودما وإيمانا وتضحية..لكن حرماننا من "حقنا" بهذه الكيفية غير المألوفة بحاجة إلى تفسير، وإذا كان قومي من الأنصار قد استغربوا منك هذا الصنيع فأنا كذلك..

وجمع سيد الأنصار قومه أجمعين، فخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخاطبهم بما يحب كل مؤمن أن يسمعه من قيادته العليا، حمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال : "يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟" قالوا : بلى..قال : "ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟"

وبماذا يجيبون وقد ذكَّركم بفضل الله عليهم وما نسب لنفسه شيئًا، (فالله هو الذي هداهم من ضلال، والله هو الذي أغناهم من فقر، والله هو الذي ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا بعد حروب طاحنة على أمور أتفه من داحس والغبراء، ومن البسوس..) قالوا : "وما نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك..ألمنّ لله ورسوله"..نعم، لا فضل لهم فيما هم فيه اليوم إلاّ الله ورسوله، فإذا أعطاهم فقد أعطاهم الله، وإذا منعهم فقد منعهم الله..لذلك أحسُّوا بخطإ السؤال ففوضوا أمرهم لله، فاغتنمها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرصة ليقدم لهم الوجه الآخر للتربية الجماعية، ويرفع "معنوياتهم" بذكر شيء من فضلهم هم على الإسلام يوم الهجرة، فقال : "والله لو شئتم لقلتم فصدقتم : جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك وخائفا فآمناك، ومخذولا فنصرناك.."

وكم هو ثقيل وقع هذه الكلمات على نفوس الأنصار، لذلك لم يجدوا ما يعقبون به عليه إلاّ تفويض الأمر- مرة أخرى- لله ولرسوله : " ألمنّ لله ولرسوله" وكم هو صعب أن يُذكرك إنسان بفضلك عليه ويعترف لك – أمام الناس- بأنه كان طريدا فأويته، وكان محتاجا فآسيته، وكان خائفا فأمنته، وكان مخذولا فنصرته..فإنك أمام هذه الاعترافات لا تملك إلاّ أن تطأطئ رأسك حياء، وقد تشعر بنوع إحراج ثقيل، لا تفسير له إلاّ المنّ المبطل للصدقات..وأنك تريد أن تقبض ثمن ذلك الفضل..لذلك قالوا : "ألمن لله ورسوله".

فنظر إليهم يتأمل هذه الوجوه التي كان لها – بعد المهاجرين- فضل نصرة هذا الدين دون أن تشترط لنفسها شيئا ودون أن تقبض أي مقابل طيلة السنوات التسع (09) التي عرف فيها الإسلام أعظم انتصاراته على أيدي الذين دفعوا "ضريبة" التأسيس كاملة للدولة دون أن يتلكأ منهم أحد في دفع كل ما يملك من أجل الإسلام، بل ويقدم حياته فداء لله ورسوله..وتذكر يوم أن قالو له بالإجماع : "يا رسول الله هذه أموالنا خذ منها ما تشاء واترك منها ما تشاء..والذي تأخذ أفضل عندنا مما تترك" فكيف يسبقهم اليوم من لم يمضِ على دخوله الإسلام إلاّ سبعون (70) يوما وقد قضى بعضهم كل حياته محاربا للدين مجندا كل طاقاته وإمكانياته لاستئصال شأفته من الأرض؟

كيف يتقدم المؤلفة قلوبهم على من أوى، وآسى، وأمَّن، ونصر؟؟
وجاء الجواب المربي من أعظم مربي، من فم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "أوجدتم في نفوسكم، يا معشر الأنصار، في لعاعة من الدنيا تألَّفتُ بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام..أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟؟ فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت إمرأ من الأنصار..اللهم أرحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار..".

فبكى القوم جميعا حتى اخضلوا لحالهم، وقالوا : "رضينا بالله ربا وبرسوله قسما" وانصرف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتفرق القوم راضين. بعد أن عرفوا الحق من لسان الذي لا ينطق عن الهوى.

ولعلّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : ماذا فعل الذي تسرع باتهام رسول الله بالانحياز إلى قريش قبل أن يسمع منه هذه التوضيحات المربية؟
وكيف عاش بقية حياته -بعد أن سمع ما سمع- وهو ينظر إلى قيادته التي طعن في عدالتها ذات يوم؟
لقد أهمله التاريخ ولم يُشرّفه بمجرد ذكر اسمه ولا تاريخ حياته ومماته..

وعجبا لهذه التربية البانية التي يعز علينا الإنصراف عنها دون أن نستخلص من دروسها سبعة (07) عناوين كبرى يصلح كل عنوان منها أن يؤسس لمنهج جديد في التعامل مع فئآت المجتمع المسلم، بما في ذلك المؤلفة قلوبهم. بل إني لأحسب أن الأمة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تبدأ أولا بإعادة بناء مُعاملات المؤلفة قلوبهم على الإسلام حتى يخالط هذا الدين بشاشة قلوبهم من جديد.

فما هي العناوين الأساسية للتربية النبوية البانية من خلال هذه الدروس المربية :
- العنوان الأول ، تأليف القلوب : وخلاصته أن البشر، هم البشر، فيهم متسرّع ومتردد، وصامت، وموافق، ومتشائم، وخبير، ولين، وفظ، وطماع، وزاهد، وعدواني، ومتذمر، وناقد، ومجادل، وواقف مع "الطابور الخامس" ولكنهم يشتركون في أن لكل واحد منهم قلبا مفتاحه المشترك كلمة طيبة مع طول بال (صبر)، وإذا أردت أن تصطاد قلوب الناس فحدثهم بما يحبون سماعه، وتنازل لهم عما يريدون منافستك عليه، وأذكرهم – في غيابهم- بخير، وتحدث أمام الناس "بفضلهم" ولو كان قليلا، ولا تذكر "سيئة"، من سيئاتهم في أي مجلس..فبهذه المفاتيح الخمسة تجد قلوبهم مفتوحة لدعوتك: "ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك"
- العنوان الثاني، الإنسجام القيادي : وخلاصته أن الناس يحبون أن يتواصل قائدهم معهم، ويحبون في قائدهم ثلاث صفات :
• التواضع مع العدل، بأن يعطي من يستحق مع الشكر ويمنع من لا يستحق بلين.
• الحضور في المقدمة بحيث يراه "جنوده" يفعل قبل أن يأمر ويبدأ قبل أن يحثّ..
• التغافل، بألا تكون عيناه مفتوحتين على كل حركة وأذناه تلتقطان الوشوشات، فما كل ما يُعلم يقال، ولا كل ما يصدر عن "الجنود" من لمم تُدق بشأنه طبول الحرب، فأذن القائد أذن خير..تسمع الخير وهي عن الشر صماء.

بهذه الصفات الأساسية (ذات البعد الإنساني) تحب القواعد قيادتها ويحدث بينهما الانسجام المطلوب، فتتألف قلوب الجميع على حب الخير ويتعاون الجميع على البر والتقوى.

- العنوان الثالث، الصدق المتبادل : الصدق هو القيمة الإنسانية الأولى للبناء الأخلاقي المثالي، وانظر إلى الأنصار كيف صدقوا الموقف مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجاؤوا يسألونه التوضيح، وكيف قابل قائدهم هذا الصدق الصريح بعد التأكد من أنه صدق عام وشامل..فتفاعل معهم من موقع القيادة المسؤولة وعاملهم معاملة القادة المسؤولين فذكرهم بالماضي وبيّن وجه الحق في سياسته مع المهاجرين ومع المؤلفة قلوبهم، فالتقى الصدق بالصدق ففاضت العيون وقالوا "رضينا".
- العنوان الرابع، التضحية بلا مقابل : فالغنائم حق لمن استخلصها بجهده وجهاده ولكن حق الدعوة مقدم على حقوق الدعاة، والمال الذي يأتي نتيجة التضحيات في سبيل نشر الإسلام والتمكين له يُفترض أن يُنفق أولا في توسيع الدعوة وجلب الأنصار لها، أي أن المال الذي يتكدس بين أيدي قيادات الصف الأول يمكن أن يأخذ منه المحتاجون حاجتهم ويوزع الباقي على المؤلفة قلوبهم لتشجيعهم على الالتحاق بالصف الإسلامي ونصرة هذا الدين.

أما إذا تحولت الدعوة إلى "سجل تجاري" يهم حامليها ريوعُها : "من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها" فإن الدعاة يصبحون تجارًا ينظرون إلى عباد الله وكأنهم زبائن، ويتعاملون مع مشاريع التمكين لدين الله في القلوب والنفوس كما يتعامل المضاربون مع البضائع التي تهمهم فيها هوامش الربح، وإذا صار لكل شيء ثمن أو(كل شيء بثمن) فأين ركن التضحية؟؟
- العنوان الخامس، الهدف ثم الوسيلة : أي الهدف الواحد الكبير (الواضح) أولا ثم تأتي كل الوسائل لخدمة هذا الهدف الكبير، هكذا كان الترتيب في كل تحركات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لذلك كانت القاعدة : "وأن تنصروا لله ينصركم" فكان خروجهم نصرة للحق فنصرهم الله وثبت أقدامهم، ثم خلف من بعدهم خلف : "أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات" فصار حديثهم عن الغنائم ونياتهم لدنيا يصيبونها ونساء يتزوجونهن، فصارت الوسائل أهدافا ولم يبق للناس من هدف إلاّ اقتسام الغنائم، فتزاحموا على بابها مرددين مقالة عيينة بن حصن : "إنما خرجت للزواج من فتاة ثقفية فإن ثقيفا قوما مناكير" أي دهاة لتنجب له طفلا داهية (راجع قصته في الحلقة السابقة).
- العنوان السادس، العير أم النفير، لقد قسَّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الغنائم وفق خطة تربوية جديدة لها بعد تربوي (اجتماعي)، تترسخ به مفاهيم التربية الاجتماعية :
• فأعطى المهاجرين ليعوضهم شيئًا مما ضحوا به يوم الهجرة
• وحرم قومه من بني عبد المطلب ليصنع منهم القدوة والمثال
• وأعطى للمؤلفة قلوبهم عطاء من لا يخشى الفقر ليخرج أظغانهم
• ولم يُعط شيئًا للأنصار ليُعلمهم أنه منهم وأنه معهم (من سكان المدينة وهو مكّي) ويدعو لهم ولأولادهم وأحفادهم.. ويربط دعوة أبيه إبراهيم (ع) لأهل مكة بدعوة منه متجددة لأهل المدينة ليكونا (مكة والمدينة) أرض الحرمين الشريفين؟؟.

وهذه الخطوات الأربع (التعويض، صناعة القدوة، إخراج الأظغان، والدعاء) كلها دروس تربوية مفادها أن لعاعة الدنيا لا وزن لها أمام نعمة صحبة الأخيار، وأن الطريق إلى النصر يمر حتما بترك ما في أيدي الناس إيثارا لما في يد الله، وأن "الجندي" الصادق في صفوف هذه الدعوة لا يجب أن يحرص على الدنيا إذا كان هدفه صناعة القدوة وتأليف القلوب.
- العنوان السابع، التنازل يصنع القدوة : لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يضع اللمسات الأخيرة على أعظم منهج تربوي لبناء أفضل تجمع بشري، بإعادة صياغة "تركيبة" النفس البشرية في كمالها وجمالها وجلالها البشري، فكان حريصا على صقل خمسة معادن أساسية لاستكمال هذا البناء وصناعة القدوة التامة والمثال الكامل وصك "القالب" الذي سوف يبقى نموذجًا لمن أراد أن "يصب" فيه النماذج الجديدة من المسلمين الذين بهم يتم إعادة "إخراج" خير أمة سبق وأن تم إخراجها للناس بزرع المعاني الخمس التالية :
* الربط المحكم بالله تعالى عقيدة وشريعة وخلقا..
* الصفاء النفسي التام من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق
* الاستقامة المطلقة على ما عاهد المؤمن عليه الله ورسوله
* الاستعداد التام للتضحية (دون مقابل) لنصرة هذا الدين والتمكين له
* إيثار ما عند الله على ما بأيدي الناس، مهما كان العرض الدنيوي مغريا.

ومن خلال هذه المعاني الكلية التي ربّى عليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أصحابه (عليهم الرضوان) ميدانيا، ورسخها في كل فرد منهم بالتجربة والاختبار الميداني..تلاحمت الصفوف وصفت النفوس وشُحذت العزائم وارتفعت الهمم وتطلعت الطموحات لتتلقَّي دروس آخر جولة للإسلام يرسي فيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) دعائمه على أسس من تقوى الله ورضوان في مواجهة "فلسفات" أقامت بنياتها – بالقهر والإكراه- على شفا جرف هار، وهو ما سوف نختم به هذه الحلقات إن شاء الله.

avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى