محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (12)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (12)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:26 am

بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (12))
خلاصة الحلقة الحادية عشر : حاولنا أن نقارن بين صفات المؤلفة قلوبهم في زمن النبوة وحال مسلمي اليوم، فلم نجد الفرق كبيرا – بمقاييس التزاحم على المادة- في شدة الإقبال على الإسلام عند الطمع والاختفاء من الساحة عند الفزع، وتعرضنا للتربية الجماعية عن طريق تأليف القلوب بشيء من خشاس الدنيا، وبينا الحكمة التربوية من ذلك، واستخلصنا سبعة (07) دروس قيمة من حوار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع سعد بن عبادة (سيد الأنصار) وربطناها بصناعة القدوة التي كان رسول الله يعمل على تجسيدها في واقع الجيل الأول الذي لا يمكن أن تتم إعادة صياغة نموذج جديد إلاّ على منواله الفريد من نوعه.









دروس في الفرز التربوي


إن الإسلام لم يبدأ ببعثة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنما إكتمل بها وختمت به رسالات السماء، لذلك كان لابد أن يفهم الناس جميعا – ولا سيما حملة هذه الرسالة- أن المهمة الأساسية لهذا الدين، بعد ترسيخ العقيدة، هي أن يعرف الناس جميعا ثلاثة مستويات من العلاقات الجديدة، ويعملوا على الالتزام بها في حياتهم :


- علاقة الإنسان بربه، ليحدد بعدها موقعه من الإيمان والكفر
- علاقة الإنسان بنفسه، ليدرك مسؤولياته الفردية ككائن مستقل
-وعلاقة الإنسان بالمجتمع، ليحدد المساحات الرابطة بين الحرية والتعاون..وبين حق الفرد وواجباته وحقوق الجماعة وواجباتها..إلخ.


نحن الآن في السنة التاسعة (09) من الهجرة..وقد بقيت سنة واحدة ويلتحق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالرفيق الأعلى، لقد بلغ اليوم الثانية والستين (62) من عمره، وبدأ المجتمع الإسلامي يأخذ شكله النهائي :


- مجتمع من البشر، ولكن الواحد بعشرة
- تجمع من المؤمنين متفاوتي درجات الإيمان، ولكن الصلاح غالب
- نضج إيماني عميق وفهم حضاري دقيق وحب أخوي وثيق..
- صورته تغري بالجمال فيدخل الناس، بسبب هذه الصورة الآسرة، في دين الله أفواجا.


لكن بعض النفوس لا يعجبها هذا المنظر الجميل، ولا تستطيع أن تظل خارج الصف وخارج القيادة.. بعد أن اكتسحت موجة الفتح كل الهضاب الوثنية وغطت كل المرتفعات الجاهلية، فتحول هؤلاء المكابرون، مضطرين إلى المعسكر الإسلامي، ولكن بقي في قلوب بعضهم شيء من نتوءات الجاهلية احتاجت إلى جولة أخيرة من جولات التربية بالصحبة في الميدان..جولة يستعرض فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) آخر الأبعاد الإنسانية لهذا الدين ويضع اللمسات الأخيرة على بناء عظيم اكتملت محاسنة برغم ما في بعض لبناته من دخن، لقد كانت هذه الجولة الأخيرة درسا عميقا في التربية الجماعية خلاصته تسع كلمات (مفاتيح) ما أحوجنا اليوم إلى فقهها وتطبيقها في الميدان :


- إن انتصارات الإسلام عائدة لطبيعة هذا الدين وليس لمضاء شوكة المسلمين، مما يعني أن كسْب القلوب مقدم على نهب الجيوب،
- أن القيادة في الإسلام (ولو كانت تتحدث من موقع النبوة) هي قيادة بشرية تتعامل مع الوقائع، فتجتهد..وتحكم على الظاهر، وتقبل الأعذار، وتأخذ من كل فرد ما يتطوع به لله ورسوله عن طيب خاطر..ومن "خدعها بالله" انخدعت له..ولكن ستر الخادعين لا شك مكشوف اليوم أو غدا..
- إن العلاقات بين المسلمين قائمة على الثقة قبل الوثيقة، وأن الأصل في هذه العلاقات هو التعاون على نشر الحق وزرع الفضيلة وتحرير العقل من الخرافة (الشبهة) والقلب من التراب (الشهوة) وتطهير الحياة من المفاسد وفسح الطريق أمام تدفق ينابيع الحق والجمال..
- إن العبادة هي ثمرة العقيدة، فإذا صحت عقائد الناس طابت عباداتهم وإذا فسدت عقائدهم فلا قيمة للحركات الرياضية التي يؤدونها (صلاة) أو للجوع والعطش (صوما) أو للتباهي بالخدمة الاجتماعية (زكاة وصدقات) أو بالأسفار المتتالية إلى البقاع المقدسة (حجا) بل لا قيمة لقتال المشركين (جهادا) بقلوب خاوية على عروشها، فذاك نوع من أنواع ضرب الظالمين بالظالمين ليخرج المؤمنون الحقيقيون من بينهم سالمين.
- إن المعاملة بين المسلمين بعضهم ببعض، وكذلك مع سائر ما خلق الله من البشر، ومن غيرهم من المخلوقات..إنما تقوم على أساس التسخير المنضبط بالقواعد الشرعية والآداب المرعية.. لخدمة المقاصد الكلية العليا (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض) وفقا لنداء الفطرة السليمة قبل أن تنحرف بها الفلسفات إلى التهويد أو التنصير أو التمجيس..


- إن الكثرة العددية مطلوبة لتكثير السواد، ولكنها ليست دائما صمام أمان "فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة.." وقد تعجب المؤمنين كثرتهم فيذهلوا عن عوامل النصر الإيمانية..ولذلك فالكثرة فيها خير، ومع ذلك يحرص الإسلام على تمجيد القلة المؤمنة والاهتمام بها، لأنها صمام الأمان إذا خدعت الكثرة أصحابها فأعجبوا بأنفسهم ونسوا أسباب النصر، أو ذهلوا عن الغاية من اجتماعهم وخروجهم للناس متجردين لله خادمين لرسالته مذعنين لمشيئته..إلخ


- إن الثغرات التي ينفذ منها الإنتهازيون ويتسلل من خلالها النفعيون، ويتموقع في فراغاتها أصحاب مشاريع الضرار..ليست موجودة في طبيعة هذا الدين..وإنما هي ناجمة عن غفلة المسلمين وسوء تقديرهم للعواقب والمآلات أو اختلافهم وتنازعهم مما يخلخل الصف ويفتح ثغرات للخصوم..فإذا حصلت هزائم وحاقت بالمسلمين الدوائر وجب عليهم أن يتفقدوا منسوب العقيدة في قلوبهم ويراجعوا ولاءاتهم (إخلاصهم وتضحياتهم..)لله تعالى وكذلك علاقاتهم بالله ومعاملاتهم فيما بينهم (خلقا) ونظرتهم لما حولهم من الناس واهتمامهم بأنفسهم..ثم أخيرا : يجب عليهم إعادة ترتيب شؤونهم الداخلية : "قل هو ما عند أنفسكم" وغالبا ما تأتي الهزيمة بسبب خلل يحدثه المتزاحمون على الغنائم في قيادة الصف الأول.


- إن قيمة الفرد في الإسلام مقدرة، وذات مكانة ملحوظة ما لم يتحول هذا الفرد إلى عائق في طريق الدعوة، أو إلى صادّ عن التقدم في طريق المؤسسات.. ومع ذلك يظل الصبر عليه هو مفتاح تأليف القُلوب، مراعاة لما معه من الطيبين الذين ينخدعون ببعض متصدري الصفوف الأمامية فيلتصقون بالفرد إلى درجة أن يصبح عندهم – أو عند البعض منهم- مقدما على كتاب الله وسنة رسوله، ولذلك حرص الإسلام على تأليف القلوب بمثل حرصه على نقل الناس من التربية الفردية (من البعثة إلى غزوة الأحزاب) ثم التحول منها –بعد استكمالها في نفوس الأفراد- إلى التربية الجماعية (من فتح مكة إلى حجة الوداع). ولكن جعل كل ذلك في دائرة الربط بالله تعالى أولاً وأخيرا : "وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قلبه الرسل"
- إن السبق تكريم للسابقين إذا صدقوا، وقد يصبح لعنة عليهم إذا صاروا فتنة للذين آمنوا، لذلك حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم)على أن يخرج إلى أصحابه سليم الصدر حتى لا تتسبب الأراجيف في تعكير صفو الحب المتبادل بين القيادة وجنودها، كما حرص على أن يضع ثقته الكاملة في الذين بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره من "أهل الشجرة" لسببين تميزوا بهما دون غيرهم من الصحابة (عليهم الرضوان) وهما :
- أنهم آمنوا لما كان للإيمان ضريبة باهظة (مغارم بلا مغانم)


- وأنهم هاجروا مضحين بكل ما يملكون مقابل دينهم الحق (حتى كان منهم من لم يرَ بيته ولا زوجته ولا أولاده..ثمانية سنوات، فصبر من يوم الهجرة إلى يوم فتح مكة ليفيء الله عليه من فضله نصرا من الله وفتحا قريبا).


هذه الكلمات التسع هي مفاتيح التربية الجماعية التي ختم بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)محطات بناء المجتمع المسلم خلال ثلاثة وعشرين (23) عاما، ثم لخصها في آخر محطتين له (صلى الله عليه وسلم) هما :
- غزوة تبوك، حيث تمت فيها آخر لمسات التربية بالصحبة.(التربية الجماعية)
- وحجة الوداع التي تم فيها تلخيص الإسلام في خطبة ختامية.
ولأننا نتحدث عن ملامح التربية الجماعية فإننا نختم جولتنا ببعض المشاهد الختامية المربية.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى