محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (13)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (13)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:27 am



بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (13)
خلاصة الحلقة الثانية عشر : في حديثنا عن الفرز التربوي أكدنا على معاني الربانية، وأشرنا إلى المفاتيح التسعة (09) لفهم طبيعة هذا الدين والتي تتجه في مجملها إلى داخل أعماق النفس البشرية، تقوى، وتوبة وخلقا حسنا، وكلها ذات صلة بالمعاملات، وبيننا أن الثغرة التي يتسلل منها الانتهازيون ليست موجودة في جدار الإسلام وإنما تفتحها الخصومات الناشئة بين قيادات الصف الأول فتشوه القدوة وتتيح فرصا ثمينة لخصوم هذا الدين ينفذون منها لضرب المسلمين بالمسلمين.




في هذه الحلقة حديث عن التربية الجماعية التي أكمل بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمسات المجتمع المسلم بالتربية عن طريق الصحبة.


شهران في صحبة الرسول

تجمع الروم على أطراف الجزيرة العربية بالشام، وفكر هرقل في أن يحرك المرتزقة مما بقي من عرب لخم وجذام وغسان..لاختبار قوة الإسلام الزاحفة نحو الأمبراطوريتين (الفرس، والروم)، فقرر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مبادأة الروم بالحرب، وأعلن ذلك صراحة، وخلال أيام التحضير والتعبئة والتجهيز..ظهرت من داخل الصف "رؤوس" تتحرك خارج الإطار، تريد أن تتأخر عن الصف بانتظار ما سوف يسفر عنه الصدام مع بني الأصفر.. سلاحها التخطيط لضرب الصف من داخله، والاعتذار للقيادة، وما أسهل أن يجد الأعذار من يبحث عنها ليتوارى خلفها.
- يبوتنا عورة..وما هي بعورة..
- لا تنفروا في الحر..نار جهنم أشد حرا..
- ذرنا نقعد مع الخوالف.. رضوا بالقعود..إلخ

لقد آثروا السلامة بالقعود مع القاعدين (والمتقاعدين والقواعد..) ولكنهم لم يفرطوا في حقهم من الغنائم، وقعدوا مع الخوالف ولكنهم لم يتنازلوا عن "واجبهم" الدنيء المتمثل في الكيد للإسلام من داخل الصف، لقد كرهوا الصعود إلى المقامات العالية، وركنوا إلى عرض من الدنيا قليل، لذلك كثرت أعذارهم - كعادة من لا يحب أن يعمل ولا يريد أن يترك الناس يعملون- مع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يعرف حقيقة أعذارهم للقيادة ولكنه أذن لهم :

- لأنهم ما أعدوا للخروج عده
- ولأن الله كره انبعاثهم
- ولأنهم مترددون، والمتمرددون هم الذين يتسببون في كل الهزائم (فقد تسببوا في الهزيمة صبيحة يوم حنين)
- ولأن بقاءهم مع الأطفال والعجائز والنساء هو مكانهم الطبيعي
- ولأن "طهارة" الصف منهم فيها بركات للدعوة، بل هي طريق للنصر
- ولأن في خروجهم (في الصف الأول) خطرًا على الجيش كله، وخطرًا على الدعوة، وخطرًا على القيادة، فوجود بعض المتطاولين على إخوانهم في الصفوف الأولى يربك الصف وينشر الفتنة ويزرع الشقاق بما يروجونه، من داخل الصف، من أراجيف، خاصة إذا كان في الصف مدمنون على الاستماع للأراجيف : "وفيكم سماعون لهم"، وهل الدعوة بحاجة إلى مثل هؤلاء القاعدين مع الخوالف الذين لو خرجوا مع المسلمين في لحظات الجد : "ما زادوكم إلاّ خبالا.ولأوضعوا خلالهم يبغونكم الفتنة..".

- خروج هؤلاء إلى الميدان عبء على الدعوة وعلى القيادة
- ووجودهم في الصف "سوس" سوف ينخر جسم المؤسسات
- ومهمتهم الأساسية هي بث الإشاعة وترويج الدعاية داخل الصفوف للتثبيط والتخذيل والتشكيك في الخيارات الاستراتيجية، ثم التفاخر – عند النصر- بأنهم كانوا هم السبب في النصر، وأن الفضل فيه يعود إليهم وحدهم دون سواهم من المخلصين، لأن أهل الإخلاص لا يتحدثون عن أنفسهم ولا يذكرون انتصاراتهم ولا يحتاجون إلى من يثمن إنجازاتهم. أما الذين يحبون أن يُمدحوا بما لم يفعلوا فانجازاتهم في الميدان صفر ولكنها على ألسنة الناس كثيرة لأنهم يحسنون "تسويق" الأوهام ويجعلونها حقائق..مع أنهم في ساعة الجدّ يتخلفون..ومع القيادة يتأففون..فإذا طُلب منهم "الخروج" لنصرة إخوانهم بحثوا عن الأعذار للفرار..

بل منهم من عرض عليه رسول الله شخصيا أن يجهز نفسه للخروج مع الزاحفين فقدم عذرا رخيصا وتافها..بل مخلّ بالحياء، فقد مرّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – وهو في كامل جهاز الحرب- على الجد بن قيس (من بني سلمة) فقال له : "هل لك يا جد في جلاد بني الأصفر؟" أي هل تريد أن تخرج معنا لقتال الروم؟ فرد عليه : "أوتأذن لي ولا تفتني. فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر إلاّ أصبر عنهن؟؟".

ما أقبح هذا العذر..شيخ مولع بالنساء، ويخاف إن هو ذهب إلى الحرب –مع رسول الله- ورأى نساء الروم أن يقع في الفتنة؟؟منتهى الخساسة وحضيض سوء الأدب مع القيادة، لذلك "أعرض عنه رسول الله" وكره هذا الجواب وقال له : "قد أذنت لك" فنزل فيه قوله تعالى : "ومنهم من يقول إئذن لي ولا تفتني. ألا في الفتنة سقطوا..".

هل هناك فتنة أكبر من أن تعرض عليك القيادة مشاركتها في نصرة هذا الدين ونشر هذه الدعوة.. فتعتذر بأنك مفتون بالنساء، وأن خروجك، مع رسول الله، قد يوقعك في الفتنة؟؟ فهل هناك فتنة أكبر من التخلف عن النصرة : "ألا في الفتنة سقطوا".

فما أخطر أن يتحدث مفتون عن الفتنة..وما أبشع أن يندسّ مفتون في الصفوف الأمامية..وما أروع أن "تغربل" الأحداث الصف من المندسين، وهل هناك ما هو أجدى من الابتلاءات (بالعمل الميداني) لتمحيص الصف من أصحاب النوايا الخبيثة، وما أبدع من قال : "إن أصحاب النفوس المريضة لا يصلح حالهم إلاّ الأزمات"، وهم - في ظاهرهم- جماعة ولكنهم أفراد قد أهمتهم أنفسهم فإذا تناقضت مصالحهم تفرقوا، فالجماعة هم فقط المسلمون، لأنهم مجتمعون على الحق (المبدإ)، والأصل فيهم صف واحد..فإذا وجدتهم تفرقوا فا بحث عن أسباب الفرقة من داخل الصف فستجدها لا تخرج عن ثلاثة :

- أعراض الدنيا (قسمة الغنائم) وكل ما له صلة بالتراب (سلطة وثروة)
- حب الزعامة (بغير دفع لضريبة الإنتماء للصف الأول)
- حسابات قديمة (تُصفى تحت عباءة الإسلام).أو باسم المصلحة العليا؟؟

ولأجل هذه الأسباب، فإن المتزاحمين على الصف الأول عادة ما يقتسمون الأدوار كما يتقاسمون المواقع، ولذلك لم يتخلف كل المنافقين عن غزوة تبوك، فقد خرج بعضهم بقدر الله ومشيئته – ربما ليكون الدرس التربوي أبلغ- وبقي بعضهم في المدينة للإرجاف، وبعضهم كانوا يستكملون "تزيين" مسجد الضرار..وفي الطريق، ذهابا وإيابا، تجلت عبقرية التربية الجماعية التي تقصَّدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه المرة، ليضع من خلالها آخر اللمسات المربية على المنهج التربوي القويم، ولعل التوقف في ثلاث محطات كاف لدفع من يريد الاستزادة إلى التنافس على التحصيل وما أبرع السيرة إذا تجاوزنا التأريخ إلى الاعتبار بالوقائع، ولاسيما التفاصيل الصغيرة في "تصرفات" رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومنها على سبيل المثال هذه المحطات الثلاث :

أ- الإعتبار بالماضي : كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلما مرّ الجيش بموقع تاريخي إلاّ ويذكرهم بما حدث فيه، ويدعوهم إلى الإعتبار بما حدث للأمم التي سبقت، فقد مروا بمساكن ثموذ (قوم صالح عليه السلام) وهي أطلال بالية فقال للصحابة : "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلاّ أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم" ونهاهم عن شرب مائهم..إلخ.
وهي إشارات تربوية واضحة :
- لا تغرنكم كثرتكم وتوالي الانتصارات على أيديكم، فإن الأمر لله من قبل ومن بعد، وقد كان من قبلكم أشد قوة.. فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين؟؟
- لا تسألوا المعجزات وخوارق العادات فقد سألها قوم صالح فأخرج لهم الله ناقة من الصخر (معجزة) فعقروها..فأخذتهم الصيحة: "فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها.."
وها هي المشاهد تتكرر اليوم، ويعيد التاريخ نفسه،ذلك أن الصحابة (عليهم الرضوان) أصابهم عطش شديد، وهم في طريقهم إلى تبوك، حتى كانوا يعتصرون فرث الإبل للابتلال بما ينزّ منها من ماء، فقال أبو بكر الصديق لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "إن الله عودك في الدعاء خيرا. فادع الله لنا" فقال له : "أوَ تحب ذلك؟" أي، هل تصبرون على ما أنتم فيه أم تسألون الله المعجزة؟ قال نعم..فرفع رسول الله يديه إلى السماء فلم يرجعهما حتى أمطرت السماء فشربوا وملأوا أوانيهم، فلما نظروا حولهم وجدوا أن المطر كان "خاصا" بالأماكن التي نزل بها الجيش، فاغتنم أحد الصحابة هذه المعجزة فقال لأحد المنافقين : "ويحك هل بعد هذا من شيء؟" فرد عليه المنافق :"سحابة مارة" أي –كما يقال- هي صدفة حدثت وليست معجزة من محمد!؟ لذلك مازالت معتقدا أن التطاول على القيادة لا تصلحه حتى المعجزات؟؟

وفي هذا الدرس حثّ على الأخد بالأسباب وعدم الاتكال على الخوارق أو انتظار المعجزات لتحل مشاكل المسلمين، فإن من طلب المعجزة ليسلم لا يأمن الإسلام عودته إلى الكفر بعد انقضاء المعجزة..(كما حدث لبني إسرائيل).

لم يحارب المسلمون الروم، لأنهم تواروا واختفوا وراء حدودهم، ووجد المسلمون أنفسهم مع بقايا العرب الموالين للإمبراطورية الرومانية فلما تخلت عنهم..دخلوا في عهد الإسلام، وصارت تلك القبائل كلها من أهل آيلة، وأذرع، وتيماء، ودومة الجندل وغيرهم.. مسالمين للدولة الفتية الناشئة : "وكفى لله المؤمنين القتال" ومكث الرسول (صلى الله عليه وسلم) أكثر من نصف شهر يراقب تحركات الروم وما يخططون له فلما أيقن أنهم غير راغبين في الحرب قفل راجعا إلى المدينة، مرورا بالقبائل العربية، (بعد أزيد من شهرين) مكتفيا بما أحرزه من نصر بلا حرب.

ب- التربية بالصحبة : استغرقت غزوة تبوك أزيد من شهرين ما بين رجب ورمضان سنة 09 من الهجرة، وكانت فرصة للتربية بالصحبة في الميدان، خاصة أن بعض من كانوا في الصف الأول، ولكنهم، يتحركون ببرامج ضرار، كانوا يسخرون من المسلمين ويستغلون كل لقطة يشاهدونها ليعلقوا عليها ويطعنوا في رجال الصف الأول، فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يكشف بعض مخططاتهم للتحذير منها ولتعليم الصحابة (عليهم الرضوان) كيف يجب أن يتعاملوا مع هؤلاء إن هو غاب عنهم، ومن أمثلة ذلك :
- كشف ابن سلول من وراء تكرار قولته : "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل "عن سواد قلبه وحسد نقسه..فسأله رسول الله هل قالها حقا؟ فأنكر ذلك، فنزل القرآن يفضحه حتى أن ابنه استأذن من رسول الله أن يضرب عنقه فمنعه من ذلك : لا تفعل أتحب أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟؟

- جلس رسول الله مع بعض الصحابة تحت ظل شجرة، فأراد أن يُلفت انتباههم إلى بعض "مخططات" المنافقين، فقال لهم : "إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه" وفعلا طلع عليهم رجل أزرق، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "علامَ تشتمني أنت وأصحابك؟؟" فأنكر الرجل ذلك ونفاه..وذهب.. فجاء بكل من كان معه (من زمرته والمتعاطفين معه) فحلفوا بالله ما شتموا القيادة وما قالوا شيئًا في رسول الله، ففضحهم القرآن بقول رب العزة : "يحلفون بالله ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر. وكفروا بعد إسلامهم وهموّا بما لم ينالوا".

- وقف الجلاس بن سويد (وهو واضع خطة اغتيال رسول الله عند العودة من تبوك) يحدث ربيبه (من إمرأته) عمير بن سعد قائلا له : "إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشرُّ من حمُرناهذه التي نحن عليها" يقصد الدواب التي يركبونها، فرد عليه ربيبه : "والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم علّي أن يصلهم شيئ يُكره..ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحني، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليّ من الأخرى" ثم ذهب عمير فأخبر بها رسول الله.

فاستدعى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجلاس فواجهه بها فأنكرها وحلف بالله أنه ما قالها فنزلت الآيات تفضحه..فاعترف، وقال : "لقد عرض الله عليَّ التوبة فأنا أتوب" فقبل منه رسول الله توبته بظاهر قوله وأوكل سريرته لله علاّم الغيوب..ولكنه لم يرفع له مقاما، ولم يعقد له لواء..ولم يقدمه لخدمة..
وهذا درس آخر في التعامل مع المتلاعبين بمشاعر أهل الإيمان (السكوت عن شرّهم عبادة بشرط ألاّ يُرفع لهم مقام، ولا تُعقد لهم أعلام، ولا يُسند لهم تكليف بضبط نظام..) والفرق واضح بين الانتماء التنظيمي والانتماء الدعوي (فافهم).


- وأغرب ما في هذه الرحلة التربوية إن بعض (المتصدرين للصف الأول بغير ضريبة الانتساب) خططوا لاغتيال رسول الله ووضع خطة الاغتيال الجلاس بن سويد مع اثنين من رجاله بمشاركة تسعة (09) آخرين لتنفيذ الخطة، في طريق العودة من تبوك، نعم خططوا لاغتيال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد أحسّ بذلك فاتخذ طريقا صاعدا ضيقا (يشبه المسالك الجبلية الوعرة) يتقدمه حذيفة ويتعقبه عمار بن ياسر، (وقيل عكس ذلك) فتسارع مجموعة من الملثمين – كان عددهم اثني عشر رجلا- يقتفون أثرهم على رواحلهم فاكتشف عمار خطتهم فتصدى لهم (يضرب وجوه الرواحل) والرسول يأمر حذيفة بالإسراع للهبوط، فلما فشلت الخطة سأل رسول الله عمارا : "هل عرفت القوم؟" قال : لقد عرفت عامة الرواحل أما القوم فملثمون. يا رسول الله !؟ قال : "هل تدري ما أرادوا؟" قال : الله ورسوله أعلم..قال "أرادوا أن ينفروا برسول الله راحلته فيطرحوه" أي، يتزاحمون على المضيق الجبلي ويتصايحون.. فتنفر ناقة رسول الله في الشعاب فيسقط على الحجارة ويلقى حتفه (فداك أبي وأمي يارسول الله).

ومع ذلك، لم يعاقبهم حتى لا يقال : افتعل محمد "حادثة اغتيال" وصفى بسببها خصومه، وصارت هذه الحادثة حديث الركبان، فقد سأل رجل عمارا : كم كان هؤلاء؟ قال : أربعة عشر (14) رجلا، عرفهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعرف المخططين الثلاثة (03) وما صنع لهم شيئًا، قال عمار (رضي الله عنه): أشهد أن الأثنى عشر (12) –الذين عرفهم الناس- حرب لله ورسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وحقا ماتوا جميعا على النفاق؟؟

لاحظ إلى أي حدّ يبلغ الحقد بأصحابه؟؟

لقد فكروا في قتل (اغتيال) رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وطاوعتهم أنفسهم أن يتحركوا بسرعة لتنفيذ خطتهم، والذنب الذي استحق بسببه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الجزاء هو أن رسول الله أخرجهم بإذن الله من الظلمات إلى النور وأغناهم من فضل الله : "وما نقموا إلاّ أن أغناهم الله ورسوله من فضله" فاكرام اللئيم يغريه بالتمرد. ولكنه لا يستفز الكريم..وتمضي التربية الجماعية في طريقها إلى تعبيد القلوب لله وتطويع النفوس بحب رسول الله.

وبعد كل هذا – ومع كل هذه الحماقات – يظل باب التوبة مفتوحًا أمامهم : "فإن يتوبوا يكن خيرا لهم" لأن المسيرة ترسم آخر اللمسات لمنهج التربية الجماعية، وعندما ننصب أنفسنا لتربية الناس فإن السلاح الأمضى هو الدفع بالحسنى مع الصبر والعفو والتجاوز عن السيآت..وعفا الله عما سلف.

ج- لا تكريم لمارق : إن الإسلام يدعو قيادات الصف الأول إلى أن يصبروا على بعض التجاوزات إذا صدرت ممن يعتقد الناس أنهم من أبناء الصف الأول – وهم قيادات وقدوة- إيثارا للسلامة ورغبة في بقاء الصف موحدا، ولو شابه بعد الكدر (فكدر الجماعة خير من صفاء الفرد)، ولكن الإسلام لا يسكت عن مخطط لهدم الجماعة وضرب وحدة صفها، ولا يتسامح مع معاود (الذي يتوب ثم يعود) مصّر على زرع الفتنة من داخل الصف، ولذلك عالج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الظاهرة بأساليب ردعية لا لين فيها ولا تراخي ولا التواء، عالجها بالحسم القاطع، فاللين مع المتهورين يؤذي الصف كله ومهادنة الداعين إلى خلخلة الصف وزرع الفتنة وإثارة البلبلة من داخله يغري ضعاف النفوس بالتمرد، فالذين يكشفون – أو تكشف الأيام- عن ممارساتهم الوضيعة قد استحقوا الإبعاد والنبذ، وهذا ما أرشد إليه القرآن الكريم في الخطوات التالية :

- فالذين يضربون الصف في ساعة الشدة ثم يربتون على أكتاف القيادة في لحظات الرخاء ينبغي فضحهم, وحرمانهم من تصدر الصفوف..أو التحدث باسم الجماعة..
- والذين يتخلفون عن نصرة إخوانهم يوم الزحف، فإذا لاحت بوارق النصر تصدروا الصفوف لاقتسام الغنائم يجب تعريتهم أمام الناس، ولكن حقهم في خشاش الأرض يبقى قائما؟؟
- والذين إذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير فإذا جاء الخوف رأيتم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت..هؤلاء يجب أن يوضع كل واحد منهم في مكانه اللائق به في الوقت المناسب وبالكيفية المناسبة تربويا، لأنهم أقوام يؤثرون الجدل الرخيص على العمل النافع، فمكانهم الطبيعي أن يتم تأخيرهم إلى الصفوف الخلفية..وأن يقعدوا مع الخوالف (مع القاعدين) لأنهم لو خرجوا معنا مازادونا إلاّ خبالا...
هؤلاء جميعا ليسوا جديرين بأن يُقدَّموا ولا أن يُكرَّموا، ولا أن يُذكروا بخير في أي مجلس، وليس من حق القيادة مجاملتهم على حساب الحق أو تقديمهم على حساب العاملين والكادحين والمضحين..فالجماعة المسلمة لا تبذل التكريم لمن يخذلها ولا ترفع شأنهم أمام الناس، إذ لا يليق بمن "خرج عن الصف" في ساعة العسرة أن يتقدم الصفوف في لحظات النصر..حتى تبقى للقيم قيمتها وتُحفظ للرجال أفضالهم، وللقيادة هيبتهم وللكرامة مكانتها.

الخلاصة : آخر درس نسيناه هو أنه في الوقت الذي كانت الغنائم توزع على المتزاحمين على القيادة – من داخل الصف- بالمئآت من الإبل والآلاف من الأغنام، والقناطير من الفضة..كان هناك قدوات لم يأخذوا شيئا، وكان منهم من لا يملك عشاء ليلته، ومع ذلك آثر الإبتعاد عن الزحام ولم "يغنم" من الريوع شيئًا ولم يفاتح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بحاله وهو أفقر خلق الله (بالمقاييس المادية) ولكنه أغناهم بالإيمان وأجدرهم بالقدوة والإتباع، هؤلاء هم الأوتاد التي رفدت هذا الدين :
- لقد ابتلاهم الله بالشدة فصبروا ولم يُعاتبوا أحدا على ما أصابهم..
- وابتلاهم بالرخاء فشكروا. ولم يطلبوا لأنفسهم شيئًا..
وهم، بين الصبر والشكر ظلوا أعلام هذه الأمة ومنارات هديها في ليل تزاحم الناس على التموقع في الصفوف الأمامية بغير ضريبة يدفعونها..والتسابق إلى المنافع يقتسمونها.. والتقاتل على الريوع يحوزونها لأنفسهم ولأبنائهم وعشيرتهم..، ذلك أن الابتلاء بالرخاء أخطر –على النفس البشرية- من الابتلاء بالشدة، وهؤلاء هم قدوتنا في هذه الظروف التي قل فيها الولاء والوفاء.. ولنا في هذه الدروس النبوية موعظة وعبرة.


avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى