محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (14)

اذهب الى الأسفل

محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (14)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين أغسطس 23, 2010 10:29 am



بقلم رئيس الحركة : محاولة لإعادة بناء المجتمع المسلم (14)
خلاصة الحلقة الثالثة عشر (13) : رسمنا أمامك صورة مصغرة لمجتمع متحرك مع المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في صحبة تربوية جهادية قاربت مدتها الشهرين، وقد تحولت إلى ما يشبه الدورة التربوية المغلقة التي اكتشفت فيها القيادة معادن الرجال وطبائعهم وسلوكاتهم وتصرفاتهم وقدراتهم القتالية واستعداداتهم للتضحية في سبيل نصرة فكرتهم والتمكين لدينهم، وكيف عالج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذه الوضعيات البشرية عن طريق التربية بالصحة، وكيف تآمر جماعة من المارقين على اغتيال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحماه الله تعالى ليرسم بذلك الصورة البشرية لصف كانت تتم فيه عمليات الفرز التربوي في الميدان





تصدع تيار النفاق

بعد خمسين (50) يوما من عودة الجيش من تبوك ، وانشغال الرسول صلى الله عليه وسلم بمعالجة مخلفات الغزوة وإعادة ترتيب البيت من الداخل، وتفقد شؤون المدينة..إلخ، أصابت زعيم المنافقين وعكة صحية ألزمته الفراش ، في أواخر شهر شوال من (سنة 09 للهجرة)، ولم يطل به المرض، فقد عاجلته المنية قبل موسم الحج الأول، سنة09 للهجرة، حتى لا يكون له شرف مرافقة أبي بكر الصديق (الذي جعله رسول الله أميرا على الحج) وعلي ابن أبي طالب، الذي كلفه رسول الله ليقرأ على الناس بيان براءة في رحلة "التحضير" لحجة الوداع بعد عام قابل ، وحتى لا يكرمه الله تعالى بسماع "التعميم العام" الذي رفعه الإمام علي بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في موسم الحج، لإحداث المفاصلة، بين الإسلام والشرك، على قاعدة الإيمان والكفر ، والحلال والحرام ، والحق والباطل .. بعيدا عن سياسة " مسك العصا من الوسط "، فقد حان الوقت ليرتفع آذان الحق معلنا للناس جميعا –يوم الحج الأكبر- "أن الله برئ من المشركين ورسولٌه".

فقبل موسم الحج الأكبر..بل قبل حجة التحضير لحجة الوداع.. سقط كبير المنافقين طريح الفراش..ودام مرض (ابن سلول) عشرين ليلة 20 فقط .. ومع ما ألحقه بالإسلام من ضرر، وما تسبب فيه من إساءة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما حاول به تدنيس الفراش الطاهر ( في حادثة الإفك الشهيرة ) وما أشاعه من أذى لتشويه سمعة القدوة..وضرب الإسلام من خلال "ضرب" إسوته : "ولكم في رسول الله إسوة حسنة"..مع كل هذه الإساءات إلاّ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رماها وراء ظهره..وقابل الإساءة بالإحسان..وعاد "الذي تولى كبرها" في فراش مرضه وظل يتردد عليه مواسيا، فالمريض – في نهاية المطاف – هو إنسان بحاجة إلىشفقة ورحمة ومواساة..، وهو إنسان دخل مرحلة النهاية بصرف النظر عن مواقفه، لذلك حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على عيادته والسؤال عن حاله وتفقد "وضعيته الصحية"..ولا شك أن "الطابور الخامس" من المنافقين قد تعجبوا من صنيع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأدركوا " عظمة " الإسلام من خلال هذا السلوك الرائع.. وكانوا يراقبون تطورات الوضع الصحي لزعيمهم عن كثب ، وفي الليلة العشرين (20) من مرضه أحس ابن سلول بدنوّ أجله وضياع أحلامه، فارتقب "زيارة" الرسول له.. ولما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نظر إليه ابن سلول نظرة انكسار وحسرة..فهم منها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطلب دعاءه وشفاعته ، فالكبراء تأخذهم العزة بالاثم حتى في لحظات الضعف والمهانة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم – وقد فهم إشارة عينيه وكلاحة وجهه وقرب أجله- قال له ليُسمع من حوله من المنافقين : "قد نهيتك عن حبّ اليهود" كأنه يذكره بقوله تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله.." فأحس ابن سلول بما يحس به أهل الكبر إذا حاصرتهم الخطوب ، فقال مُعرَّضا بواحد من مؤسسي دولة المدينة المنورة : "أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه" وكأنه يعرض بواحد من مؤسسي الدولة الإسلامية.. الذين حاربوا اليهود وطهروا المدينة منهم..ثم مات بعد ذلك، وكأن ابن سلول يريد أن يقول لمن حوله من الأتباع : إن الذي يكره اليهود يموت أيضا، كما سوف يموت من يحبهم؟؟ ويسوي بينه وبين أسعد بن زراره ..وسكت الجميع وعلموا أن رد رسول الله سوف يكون مزلزلا، لو نطق...فقد كانوا مجتمعين في بيت زعيمهم (وقد أكثروا من اللقاءات) وكأنهم كانوا يخططون لأمر ما..وفي ظل الصمت الذي خيمّ على المكان..لتدارك ابن سلول نفسه قائلا – ربما لأول مرة في حياته – " يا رسول الله " هاهو يعترف أخيرا بأن محمدا رسول الله : "..وتعجب الحضور من هذه "الخرجة".. يا رسول الله ليس بحين عتاب .. هو الموت .. فإن مت فاحضر غُسلي واعطني قميصك أُكَفَن فيه.." زعيم المنافقين يطلب من رسول الله قميصه ليكفن فيه !!؟
لا إله إلاّ الله..وسبحان الله..ولا حول ولا قوة إلاّ بالله..
قُتل الانسان ما أكفره !
لقد غير إبن سلول مسار الحديث.. من طعن في رجل صادق (إبن زرارة).. وغيبة في صحابي جليل أمام رسول الله إلى "طلبات" شخصية..لما شعر بدنو أجله..لأنه عندما كان في أوج قوته كان يقول : " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " وكان يظن نفسه أعز من رسول الله (حاشا !!)، وهو – في نظر نفسه- الأجدر بإمارة المدينة وإدارة شؤونها .. وكان يعتقد أنه هو الذي منّ على المهاجرين الذين جاؤوا جياعا – في نظره – فأطعمهم ، وعيرهم بذلك يوم غزوة بني المصطلق بقوله المؤذي : " سمّن كلبك يأكلك !؟ " .. وقائمة أذاه طويلة وعريضة وسوداء ومقرفة، وليس فيها من الخير شيء .. لقد سولت له نفسه – في طريق العودة من غزوة بني المصطلق- أن يرمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرفه باتهام عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) بما فندته سورة النور..وكشفت مخططات النفاق وفضحت "الذي تولى كبرها"..ومع ذلك عفا عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى لا يتحدث الناس بأن "محمدا يقتل أصحابه"ويستغل فرصة ضعف إبن سلول ليصفي معه الحساب..فالناس لا يعرفون الخفايا.. وها هو إبن سلول اليوم يطمع - مجرد طمع – في أن يحقق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبتين :
- يحضر تغسيله بعد وفاته.
- ويكون كفنه قميص رسول الله.

بعدما كان يحلم بأن يتوج ملكا على المدينة ويقود دولة المنافقين، ويُخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه، من "يثرب" ويبسط نفوذه على الأوس والخزرج ويمد يده إلى نصرة اليهود من بني قينقاع وبني النظير وبني قريضة وإلى أبناء عمومتهم في خيبر !؟

سقطت كل هذه القصور التي بناها من رمال..وتبددت أحلام النفاق..

وها هو اليوم يتمنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم (وهو جالس في بيته وحوله من بقي من المنافقين) يتمنى أن يحضر رسول الله غسله وأن يتبرع له بقميص يكفن فيه ويدفن معه.. لعله يضفي عليه "بركة" تبرد جلده في القبر.. وربما أمده القميص الطاهربسكينة وشفاعة يوم يقوم الأشهاد !؟

وسبحان الله : رسول الله معه وهو يطلب قميصه !؟
لقد أعماه النفاق عن إدراك حقيقة الرحمة المهداة لو طلبها..ليستغفر له رسول الله: "وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون".

إنه الكبْر الذي يجعل صاحبه، أيام قوته وجبروته، يقول للحق لما جاءه : " هذا إفك مبين " ثم لما تتقطع به الأسباب يطلب "البركة" والدعاء.. ، وقد فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قصده، فتوقف عن عتابه وخلع فورا قميصه الأعلى وناوله إياه مكتفيا بالقميص الداخلي مما يلي الجسد الطاهر، لكن ابن سلول فاجأه بالقول : بل الذي يلي جلدك يا رسول الله!؟

ومرة أخرى يعترف أن محمدًا رسول الله ويلتمس منه "البركات" مما تضمخ بأريج عطر عرقه الطاهر !!؟
مهمة صعبة، وطلب تعجيري.. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أنجز له ما طلب ، وماذا يغني القميص إذا كان طالبه مصمما على ملاقاة ربه بالنفاق؟.
إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يريد أن يقيم عليه الحجة..ويقطع الطريق أمام ذرائع أتباعه فيماشيه في كل ما يطلب من مباحاة ويستجيب لطلباته.. إلى آخر رمق من حياته.. .
والدرس الذي يجب أن يتعلمه الناس اليوم هو أن الإسلام دين رحمة، ولكنه منهج قوة "يصارع" الأقوياء حال قوتهم.. أما الضعفاء فهو بهم رحيم..إنه دين لا يصارع المستضعفين ولا يحمل الحقد على أحد..بل هو رحمة للعالمين..يحب الخير للناس جميعا..فيرحمهم ويعطف عليهم ولو كانوا من ألد خصومه، لذلك ناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه مما يلي لحمه الشريف ، وربما ما يزال فيه عبق وأريج عرق غزوة تبوك ، وربما مازال في نسيجه صلصلة ما نزل من سورة التوبة التي فضحت النفاق وعرت المنافقين.

فلما أمسك ابن سلول بقميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم أن نفس الرسول أطيب من أن تنتقم من رجل يحتضر..وقلبه أرحم من أن يرد له طلب، وهو في الرمق الأخير.. أضاف طلبا ثالثا..ورابعًا : "صلّ عليّ .. واستغفر لي" .. وأغمض عينه وأسلم روحه إلى باريها. وانتهى كما بدأ تماما مع حكاية الأعزّ..وألأذل..ونسي الشهادة..وغفل عن التوبة التي يختم بها السعداء حياتهم..حضر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما وعده..وفاته... وكُفّن كما طلب، في قميص رسول الله.
- وسار في جنازته..إحتراما لمن وراءه من ذوي أرحامه المؤمنين.. ولعله سار في جنازته تشريفا لولده عبد الله، وتكريما لأياديه البيضاء على الإسلام والدعوة..ولما تقدم ليصلي عليه ، وقف عمر يقول: يا رسول الله أتُصلي على ابن أُبيّ " ابن سلول " وقد قال يوم كذا ، كذا وكذا.. ويوم كذا ، كذا وكذا.. وهي حركة لا تستطيع أن يقوم بها إلاّ عمر الفاروق..فابتسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : "أخَّرعني يا عمر" أي دعني أصلي، وكأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لعمر : فلست ناسيا ما قال ولست غافلا عما فعل .. ولكنه كان زعيما في قومه.. وهم اليوم كلهم مسلمون ومن بينهم ابنه عبد الله ابن عبد الله ابن أبيّ .. فلنحفظ للناس مشاعرهم في مثل هذه اللحظات المؤلمة..لقد كان رسول الله يشرَّع للرحمة والوفاء..

لكن عمر رضي الله عنه لم يهضم هذا الموقف لأنه قد يُفهم –من طرف الصائدين في المياه العكرة- أن فيه تكريما للمنافقين ، وفيه تشريعا للناس، وفيه تشريفا لمن لا يستحق ، فصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم سكن في القبر وشفاعة يوم القيامة وكل هذا – في نظر ابن الخطاب – تكريم قد يغري المنافقين بالاستمرار في مخططاتهم مادامت النهاية شفاعة رسول الله وصلاة على زعيم النفاق وكبير المنافقين؟؟.

فلما أكثر عمر محاولا ثني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قال له : " إني قد خُيرت فاخترت ، ولو أعلم إن زدت عن السبعين غُفر له زدت عليها " يعني بذلك قول الله تعالى : " استغفر أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم "..فتنحى عمر عن طريق رسول الله..فتقدم الصفوف، ثم صلى عليه..وعزّى فيه ولده عبد الله..وهمّ بالانصراف، وما هي إلا لحظات قصيرة حتى نزل الوحي مفرقا بين "العوطف الإنسانية" الرحيمة، المجاملة للأحياء من المؤمنين وبين التشريع الفاصل بين الكفر والإيمان والنفاق: "ولا تصلَّ على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره" فوضع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قائمة المنافقين بين يدي أمين سره (حذيفة بن اليمان رضي الله عنه) ليذكره بمن سوف يموت من المنافقين يستغلون نهايته..فيبتزون العواطف.. وحتى لا يصلي على أحد يموت بعد إبن سلول..، فما صلى بعدها على أحد منهم مات أبدا وما وقف على قبره.

لقد كانت جنازته مهولة.. لا لأنه منافق، فذلك ما قطع الإسلام بينه وبين المؤمنين ، ولكن لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد تكريم قبيلته وقومه..وولده (عبد الله) وابنته (جميلة)، وكانت جنازة كبيرة وذات صيت وحظوة..لقد حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على أن لا يتركه للمنافقين يحولونه إلى رمز..أو يجعلونه ضحية "إهمال" القيادة له في لحظات الموت :
- فأكثر من عيادته له خلال العشرين يوما التي قضاها على فراش الموت.
- وأهداه أخص خصائصه، وهو قميصه الداخلي مما يلي جلده.
- ومشى في جنازته مع قومه وذويه..
- وصلى عليه، ووقف على قبره ساكتا ( ربما كان يستعرض شريط حياته ).
- خرجت كل نساء الأوس والخزرج قاصدات بيت ابنته (جميلة) وهي تولول قائلة : واجبلاه .. واركناه
- سار في جنازته جميع أقربائه وذويه لما رأوا رسول الله خارجا في جنازته..كما سار في الجنازة كل مدخول،..ومشكوك في عقيدته..وتزاحموا على قبره وارتفعت الأصوات حتى آذى بعضهم بعضا..كل واحد من المنافقين يريد أن يدليّه داخل القبر.. فغضب عبادة بن الصامت ونهاهم قائلا : " اخفضوا أصواتكم عند رسول الله"..لعلّ بعضهم كان حريصا على أن "يخلفه" بعد موته في الزعامة على النفاق، والفوز بإمارة ولو على حجارة.. وكلهم كان يريد أن يدليه في حفرته داخل اللحد ، وكان حضور رسول الله جنازته مشجعا لمن ناصبه العداء طيلة حياته ، فساروا كلهم مع رسول الله ، فنزل في حفرته ابنه عبد الله (رضوان الله عنه)، وسعد بن عبادة بن الصامت، وأوس بن خولى ..وواروه التراب..

فلما فرغوا من دفنه عزى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه (عبد الله) وانصرف ، فنزلت الآيات الناهية رسول الله عن الصلاة على المنافقين ، فما شكك أحد في " رحمة " رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم أدركوا أنه (عليه الصلاة والسلام) كان يؤسس لمذهب التسامح بين الناس في غياب النص(فالخطأ في العفو أجدى من الخطأ في العقوبة) وما دام الله قد خير رسوله – قبل نزول النهي عن الصلاة على المنافقين – بين الاستغفار لهم أو عدم الاستغفار لهم، فكلاهما – الفعل والترك – لا يضران ولا ينفعان.. فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لهم تطييبا لقلوب ذويهم ، فلما نزل النص تغير الحال.. " فلا اجتهاد مع النص".

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو : لماذا ساير رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عدوّه اللدود كل هذه المسايرة؟ ولماذا لبّى له كل طلباته؟ بل لماذا يزوره كل يوم تقريبا ليعوده في مرضه إلى أن أسلم الروح؟

والجواب سهل ميسور إذا تذكرنا أمرين لازمين :
- أن الذي يقوم بهذه السلوكات ويتصرف مع ألدّ خصوم الإسلام الكتيفيات المعجزة هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيد الكاظمين الغيظ..وسيد العافين عن الناس..كل الناس..وإمام المحسنين..
- أن المنافقين قد اتخدوا من مرض زعيمهم فرصة للإجماع في بيته والتخطيط لما بعد وفاته، فأراد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يسدّ أمامهم الطريق ليعلمهم أن كل أساليب إبتزاز عواطف الناس قد تم فضحها.

ولعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم ينس "حسنة" واحدة فعلها ابن سلول يوم بدر، فقد جاء المجاهدون بالأسرى من مشركي قريش ووقعت عين رسول الله (ص) على عمه العباس بن عبد المطلب – من بين أسرى بدر- ولم يكن قد أسلم بعد..وكان قد تمزق عنه قميصه في أرض المعركة..، ولأن ابن سلول كان يرتدي أكثر من قميص فقد بادر بخلع القميص الأعلى وكسى بع العباس في لحظة ضعف واستسلام.

فما نسيها رسول الله لابن سلول، وحٌقَّ له اليوم أن يرد قميصه الشريف ليقضي "دينا" على عمه العباس (الذي وقف وحده تقريبا يوم حنين ممسكا ببغلة رسول الله) فلا يليق أن يقال :
- مات ابن سلول ولم يرد له العباس قميصه؟؟
- مات زعيم المنافقين وله على عم رسول الله دين؟؟
- مات رأس النفاق وهو من كسا عم محمد في بدر؟؟

فها هو رسول الله يبادر بتلبية طلب ابن سلول وينزع قميصه الداخلي مما يلي جسده الطاهر ويسلمه له ليكفن فيه ويدفن فيه..وهو ما حصل فعلاً وأربك – بهذه التصرفات العظيمة- من كان حول ابن سلول من بقايا المنافقين؟؟

والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه الآن :
ما هو أهم درس تربوي يمكن استخلاصه من هذه القصة؟ وهل ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو سلوك خاص بابن سلول، نظرا لمكانته الاجتماعية في مجتمع مازال مشدودا إلى أواصر النظام القبلي رغم كل " التحولات " التي أحدثها الإسلام في بنيته الفكرية والإيمانية وفي نسيجه الاجتماعي أم أن سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابن سلول في مرضه هو " تشريع " تولى الوحي نسخه وضبطه وتعديله ؟
الراجح – في مجال التربية والتعامل مع الناس – هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يضع قاعدة البدائل والتخيير –في غياب قطعيات النصوص- أمام أبصار مجتمع مازالت رواسب " القبلية " تشد بعض قناعاته، فمجتمع المدينة مازال خليطا من المسلمين الجدد، إذا استثنينا فئة المهاجرين والأنصار، ومن في حكمهم، من الذين لا يتجاوز عددهم – كأقصى حد – خمسة عشر ألف (15000) صحابيا يُضاف إليهم عدد مماثل من النساء والأطفال، والبقية التي يتجاوز عددها المائة ألف (100.000) ومثلهم من النساء والأطفال يتوزعون على ثلاث فئات :
- فئة الأعراب الذين جاءت بهم موجة ما بعد فتح مكة.
- وفئة الذين سلموا قيادتهم للإسلام بعد طول تردد(في عام الوفود يعد غزوة تبوك)
- وفئة الذين حاربوا الدين حتى أدركوا أن الله غالب على أمره.

ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز عليه ما يتسبب في خدش مشاعر أي فرد مسلم – ولو التحق بالإسلام منذ ساعة – كحرصه على " المؤلفة قلوبهم " فقد وجد الفرصة مناسبة بموت " قائد " معسكر النفاق ليعلَّم الناس أجمعين درسين عظيمين، كثيرا ما يغطيهما غبار الانتصارات الكبيرة :
- الأول، أن الحب والبغض ليسا مسألة شخصية ، كما أن العطاء والمنع لا صلة لهما بالعواطف والأرحام ، لكن – في لحظات ضعف الخصوم – يجب أن يكون الإسلام بهم رحيما، لاسيما إذا أنهك المرض أجسادهم وأدركوا أن آمالهم قد تبددت، ولم يبق أمامهم إلا طلب العفو والرحمة والدعاء .. بل التغسيل والتكفين وصلاة الجنازة .
- والثاني، أن القائد (القدوة) حليم رحيم ، وأن نظرته أوسع من مجرد " جرد " أخطاء الماضي وانتظار لحظة الضعف لينقضّ على فريسته..وينتقم من المسيء (وهو يستحق ذلك دون شك) لكن القائد (القدوة) يدرك أن العاطفة تميل مع ذوي القرابة والأرحام لحظة موتهم فلا يشمت فيمن كان عقبة كؤودا أيام قوته وجبروته ، وها هو اليوم على حافة القبر، وبعد لحظات سوف يكون " مستريحا ومستراحا منه " فلماذا نجرح عواطف ذوي القربى وهم من هم في دين الله سبقا وصدقا ؟ بل ما ذنبهم إذا اختار بعض أقاربهم النفاق وعادوا الإسلام وناصبوا رسوله العداوة والبغضاء؟؟ ألم يقل الله تعالى 'كل نفس بما كسبت رهينة" ألم يؤكد سبحانه بأن كل فرد مسؤول عن جرائمه : "ولا تزر وزارة وزر أخرى"؟؟
لكن الشفقة على من سوف يودع هذه الحياة إكراما لذويه وعشيرته من المؤمنين لا يجب أن تفتح الباب لمن هم معه في الصف بالتطاول – من بعد موته – على أهل الإيمان والإدّعاء بأن القيادة "كرمت" زعيمهم فخلعت عليه ملابسها الخاصة وسارت في جنازته وصلت عليه ودعت له ... الخ
فالعواطف شيء و"التشريع" شيء آخر مختلف تماما، لذلك نزل القرآن موضحا ومصوبا و " مشرعا " لما سوف يأتي بعده.. بشكل صارم.. نهيا وزجرا وتوكيدا، كأنه زخات الرشاس :
- لن تخرجوا معي أبدا
- ولن تقاتلوا معي عدوا
- ولا تصل على أحد منهم مات أبدا
- ولا تقم على قبره.

وسواها من النواهي الصارمة والتشريعات القاطعة لكل اجتهاد بشري..ولو كان المجتهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وهكذا حسم القرآن الكريم الأمر نهائيا ، لندرك نحن اليوم أن " القدوة " لا تحكمها العواطف وإنما يحكمها الحق..ولابأس – بعد بيان الحق وتأكيده وإمضائه- أن يكون بين الناس رحمة وحب وتعاطف ومشاعر إنسانية، بعد الحق وليس قبله..ولاعلى حسابه..ليفهم الناس جميعا، أن أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وحركاته وسكناته .. كلها تشريع وكلها أسوة وكلها واجبة الإتباع والاقتداء (إلاّ ما كان من خصوصيات النبوة والرسالة) وهذا الحكم فيه الكثير مما ينطبق على من يقتدي الناس به من العلماء و الدعاة والأئمة الهداة المهتدين. "فلا يصلي قدوة على فاسق مات مصيرا على كبيرة"؟؟

لقد فوت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهذا السلوك الإيماني الرفيع "فرصة" ذهبية على المنافقين.. وسد، في وجوههم ثغرة كان يمكن أن ينفذوا منها للطعن في "وفاء" محمد لأصحابه وإهماله لهم في لحظات الضعف، وربما التقوّل عليه بأنه (صلى الله عليه وسلم) لم يحترم مشاعر أبنائه وبناته وأحفاده وعشرته..ولا سيما أن أبن سلول لم يكن رجلا بسيطا، ولا هو من عامة الناس..فقد كان زعيما كبيرا في قومه..وهو الذي كان –قبل الهجرة المطهرة- يحضر نفسه ليكون ملكا على قومه إذا وضعت الحرب بين الأوس والخزرج أوزارها..فجاء الإسلام ليحل معضلة الصراعات الدامية بين الأوس والخزرج.. وليوجه العلاقات القبلية وجهة إيمانية جديدة قامت على قاعدة : "إنما المؤمنون إخوة". وهكذا طوت المدينة المنورة صفحة مؤلمة من صفحات الكيد للإسلام من داخل الصف بعد هلاك مؤسّس تيار النفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول.

avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى