أزمة أرزاق أم أزمة أخلاق ؟

اذهب الى الأسفل

أزمة أرزاق أم أزمة أخلاق ؟

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الثلاثاء يناير 11, 2011 8:34 pm

بقلم الشيخ أبو جرة سلطاني
مقدمة :
سيطرت ثورة "الزيت والسكر" على مجريات الأحداث الوطنية خلال الأسبوع الماضي، وبالغت بعض وسائل الإعلام الأجنبية في تصويرها وتضخيمها إلى درجة يخال معها المتتبع أن الجزائر تحولت إلى "صومال" جديدة، وأن الخطر قد زال في كل بقع التوتر العالمية ولم يبق من تهديدات تهز الاستقرار إلاّ تهديدات الحركات الاحتجاجية في الجزائر، وتونس، والأردن، أو الخطر المذهبي المتحرك في مصر..



أما احتلال فلسطين والعراق وتقسيم السودان والتخطيط "لانفصالات" أخرى قادمة..فلم تعد، في نظر كثير من وسائل الإعلام الأجنبية "تهديدات" تحرك مواجع صناع القرار في العالم، وليست لها نفس القيمة الإعلامية لدى الصحف والقنوات المروجة لثورة الشوارع في سبيل التأسيس لنظرية "الفوضى الخلاقة" الممهدة لإعادة صياغة خريطة جديدة قد يتم الإعلان عنها رسميا في الذكرى العاشرة (10) لأحداث 11 سبتمبر 2001.

أقول هذا، لأني شخصيا لم أقتنع حتى الآن بما حاولت وسائل الإعلام المختلفة تسويقه حول ما يحدث في الجزائر وتونس تحديدا لإقناعنا أن الاحتجاجات الشبانية ثارت وتحركت وأحرقت وأتلفت.. لأنهم عاطلون عن العمل، ولأن غلاء المعيشة ألهب "جيوبهم" فتحركوا لرد كرامتهم إلى نصابها، وأن "تخفيضات" في الأسعار من شأنها أن تطفيء لهيب ثورة الكرامة.
هذه تفسيرات سطحية وغير مقنعة، ولذلك قُدّمت لها حلولا ظرفية قد تؤجل التوترات الاجتماعية ولكنها لا تعالجها من جذورها، لأنها تحاشت مواجهة أسبابها العميقة.

1- القدرة الشرائية : إن عالم اليوم قد تجاوز عتبة الضروريات، وصارت الكماليات ضرورة والتحسينات ضرورة..وكل ما يشاهده شباب اليوم شباب في القنوات التلفزيونية هو ضروريات ينبغي أن تتوفر وأن تكون في متناول الجميع..وإلاّ فإن الحل هو الإحتجاجات – المصاحبة عادة بالحرق والتكسير والتخريب- لتحقيق هدفين متلازمين على السلطات العمومية أن توفرهما وإلاّ فإن عليها أن تحزم أمتعها للرحيل :
- تعويم السوق بجميع ما يحتاجه المواطن وما يشاهده الشباب في التلفزيون،
- ضمان القدرة الشرائية في حدها الأدنى لتكون الميشعة في متناول جميع المواطنين، ولا ينبغي أن تظهر الفروق الاجتماعية بشكل صارخ؟؟

إن هذه الفلسفة الاجتماعية هي النتيجة الطبيعية لثورة الإتصال التي عرّت السياسات القديمة التي كرستها الإشتراكية – خلال سنوات التسيير الإشتراكي للمؤسسات- وما حملته من شعارات براقة تتحدث عن "المساواة الرياضية" بين جميع أفراد الشعب بوصفهم "بروليتاريا"، وكأنهم "أعواد كبريت" أو مربعات بلاط من واجبهم جميعا أن يتراصفوا على أرضية واحدة، ومن حقهم جميعا أن يكونوا "أسيادا" في أوطانهم لأن الدولة سوف "تؤمم" كل شيء وتقلم أظافر البرجوازية الكبيرة والصغيرة "وتشنق آخر برجوازي بأمعاء آخر إمام" وتسوَّي البناءات الشاهقة بهندسة "القرى الإشتراكية"، وتسكت أصوات الرجعية وتعيد توزيع الأراضي الممراع على المستفيدين وتمكن اليد العاملة من وسائل الإنتاج وتصبح الدولة وحدها هي جهة الإحتكار والتوزيع المتساوي بين جميع أفراد الشعب.
- فالدولة تحتكر الصناعة والزراعة والتمور والخمور..فتجمع المنتوج وتخزّنه وتوزعه على الناس بنظرة إشتراكية صارمة.
- والدولة تحتكر التعليم والصحة..فتبني المدارس والمشافي وتشجع المجانية فيهما ويصبح الكم هو التحدي الأكبر أما الكيف فليس مهما لأن المدرسة تخرّج البطالين، والمستشفيات تستقبل الهاربين من العمل والباحثين عن شهادات طبية (مرضية) ليستريحوا من "بطالة مقنعة" تدور فيها المصانع على الفراغ، ولا تنتج إلاّ الريح، لأنها مصانع جعجعة، أما "الطحين" فيتم إستراده من دول صديقة "لصناعة" الرفاه الكاذب.
- والدولة تحتكر الحريات، والخطاب، والسياسة، والسلطات الثلاث، و"اللجان الثورية" والشباب الطلائعي و"المنظمات الجماهيرية"..وتتولى توزيع السكر والزيت والحليب والسميد والخضار والفواكه والبيض والثوم والبصل.. واللحوم البيضاء والحمراء، والأكياس التي يجمع فيها المزارعون ما بقي من المحاصيل السنوية والخيط الذي يربطون به هذه الأكياس..ثم تشتري منهم المحصول وتوزع عليهم الأرباح..وكل هذا النفاق السياسي كانت تتم تغطيته بريوع النفط والمحروقات؟؟

فلما ضج الناس بهذا الأسلوب المهين من المعاملات، وتدهورت أسعار النفط عالميا..إنكشفت عورات الأنظمة الاشتراكية التي سارعت إلى تقديم حلول سحرية – بنفس الوجوه القديمة- بابتداع دساتير جديدة وسن قوانين أخرجت المجتمع من النظام الاشتراكي إلى الرأسمالية، وتخلصت الدولة من أعباء الاحتكار والتوزيع لتضعه بين يدي "لوبيات" من حواشيها (في إطار الخصخصة) لا يهمها إلاّ الربح السريع وتكديس ثروة قارون على حساب المستهلك.

ومن بدأت سلسلة الأخطاء الإستراتيجية، ومن هنا نبدأ.
2- الأخطاء الإستراتيجية : ليس عيبا أن نجرب فنخطئ إذا كنا مبتدئين، ولكن العيب أن نصر على الخطأ باسم المصلحة الوطنية ونترك الحبل على الغارب، لمدة ربع قرن (62-1988) حتى إذا وصلنا إلى الشعرة التي قصمت ظهر البعير واختلفنا، وصرنا أجنحة وموازين قوة..وتنازعنا..لجأنا إلى فض نزاعاتنا الداخلية بتحريك الشارع واستخدام العنف الاجتماعي واللجوء إلى الحلول الأمنية..
- هكذا حدث يوم 05 أكتوبر 1988
- وهكذا تعمل بعض الأطراف على استنساخ نفس السيناريو عن طريق دفع الشباب العاطل عن العمل إلى الحرق والكسر والتخريب والتحطيم..منذ يوم 2011.01.05 وما تلاها من تداعيات مؤسفة..وبصرف النظر عن الخفايا والخلفيات التي حركت الشارع، أو سوف تعمل على تحريكه لاحقا، فإن السؤال الذي نحتاج أن نطرحه اليوم وأن نبحث له عن جواب (أو حتى عدة أجوبة) هو : هل من العدل أن يدفع الشباب فاتورة الخيارات السيئة للسياسات المتعاقبة؟ ومتى يصحو ضمير السياسة على حقيقة مفجعة مفادها أن عصر القبضة الحديدية قد ولىّ، وأن سياسة الحديد والنار قد ماتت وذُفنت..وقد أزفت ساعة الحقوق، وصار من حق الشعب أن يختار حكامه وأن يعزلهم بناء على عقد اجتماعي – ولو لم يكن مكتوبا- يتضمن أهم مفردات الخيارات الإستراتيجية التي من أهمها :
- ضمان العدالة الاجتماعية والتوازن العام
- فتح المجال الإعلامي وقنوات الحوار
- ضمان الحريات والحقوق الأساسية
- السهر على سلامة الوحدة الوطنية
- الحرص على تجسيد مفاهيم الحق والواجب
- الدفاع عن المكاسب المشتركة بتعاون وتضامن
- التداول السلمي على السلطة بالطرق الديمقراطية
- حماية المستهلك من تقلبات السوق..الخ

والذي يهمنا في هذا الحديث هو العنصر الأخير (حماية المستهلك) الذي صار مكسبا عالميا تحتفل به البشرية يوم 15 مارس من كل سنة، منذ أن تم إقراره رسميا سنة 1962 بعد سلسلة من الاضطرابات الاجتماعية التي كانت تنادي بحق المواطن في العيش الرغيد، وبواجب الدولة (السلطات العمومية) في تأمين حاجيات كل فرد وحماية قدرته الشرائية وضمان الإنصاف في الاستهلاك الأمن والصحي.

هنا بدأت الأخطاء الاستراتيجية تتراكم، وهي أخطاء ناجمة عن خيارات، سياسية واقتصادية، لم تكن واضحة، تسببت في سلسلة من الأخطاء التي ارتكبتها السلطات العمومية في الجزائر منذ فجر الإستقلال سنة 1962 حيث اعتمدت الدولة سياسة الاحتكار وسيطرت سيطرة كلية على التجارة الخارجية التي كانت تستورد كل ما يحتاجة السوق (من البصل إلى الجرار، ومن البيض إلى الكيوي!) دون نظر في النوعية ولا في الجهات المنتجة كون أجهزة الرقابة كانت غائبة إلاّ في صورة قمع الغش.

لقد كانت الدولة الوطنية الفتية مهتمة أكثر بحماية الاقتصاد الوطني، والدفاع عن القطاع العام..في بداية عهدها باستقلال، وصعوبة وضع القطار على السكة، فلما تقدم بها الزمن قامت بُمحاولة تصحيح الخطأ السياسي الفادح الذي بنت عليه خياراتها الاقتصادية وهو الإنطلاق بالصناعات المصنعة (أو الصناعة الثقيلة) وغفلت عن المطالب اليومية للمواطن..إلى أن فاجأتها الأحداث وجرفتها الموجة الجماهيرية الغاضبة سنة 1988 فوجدت الدولة الوطنية الفتية نفسها تدير مصانع ثقيلة تلوك الريح وتنتج الفراغ رغم أنها تتربع على مساحات جغرافية رهيبة وتديرها يد عاملة تعد با لالآف، لكنها (تعمل، لأنها بطالة مقنّعة لا تنتج شيئا، ومنها إندلعت الاحتجاجات (ومن معامل رويبة بدأت الأحداث التي غيرت مجرى السياسات 180 درجة من الخيار الإشتراكي الذي لا رجعة فيه إلى اقتصاد السوق الذي لا رجعة فيه).

وهنا بدأت التحولات الطفراوية الكبرى، ولم تستوعب السلطات العمومية درس أكتوبر88، لأنها لم تقرأه قراءة صحيحة.. فوقعت في نفس الأخطاء الإستراتيجية التي كانت – إلى حدّ ما- مفروضة على دولة الإستقلال التي لم يكن أمامها هامش كبير للإختيار، وكان عمل الزمن ضاغطا عليها، وكانت مخلفات الحرب ثقيلة..وكانت..وكانت...وكلها أعذار يمكن أن نلتمسها اليوم للذين أداروا دفة الحكم في الجزائر بين 62 إلى 1982، لكن بعد الأزمة البترولية العالمية التي عرت الأنظمة القائمة على استيراد الرفاه ورهن مستقبل الأجيال بمديونية الاستهلاك، دخلنا في منطقة الزوابع الاجتماعية التي انتهت بثورة بركان 05 أكتوبر 1988 الذي كان يفترض على السلطات العمومية أن تقرأه قراءة واعية، وأن تعيد في ضوئه ترتيب الأوراق وتستدرك الجهات الساهرة على الأمن الغذائي في هذا الوطن أخطاءها، لكن الذي حصل كان ينم عن استخفاف وعشوائية وارتجال..بل عن سياسة رعناء وخيارات خرقاء لا مثيل لهما :

- دستور جديد يكرس التعددية بلا ضوابط،
- انتقال طفراوي من الإشتراكية إلى اقتصاد السوق،
- تسليم مفاتيح القطاع العام إلى "خواص" من المقربين غالبا،
- إنهاء احتكار الدولة والتأسيس لسيطرة احتكار اللوبيات،
- تمويل مشاريع الخواص بأموال البنوك العمومية،
- صناعة "فراعنة" من "الكرتون" كل رأسمالهم عبارة عن ديون عمومية لبنوك عمومية هي في النهاية أموال الشعب (لأنها جاءت من ريوع البترول) وهي مديونية ثقيلة لم يسددوها وضرائب يتهربون منها، وتحايل على الجمارك، وتعامل خارج نظام الفوترة، ورشاء مصالح قمع الغش، ولجان مراقبة الأسعار، وما يسمى بـ"التحقيقات الاقتصادية"..الخ.

ومع أن الظاهرة لم تكن عامة ولا مهيكلة، ولكن الجديد فيها أن واقع ما بعد انتفاضة أكتوبر 88 صارت الذي تحكمه "جماعات المصالح"، التي لم تعِ الدرس ولم تدرك أن حاجز هيبة الدولة قد تم كسره نهائيا، وأن جيلا جديدا بدأ يتخلّق في رحم الأحداث، والنتيجة الكارثية التي تمثلت للعيان هي أن الدولة غابت تماما عن تنظيم سياسة اقتصاد السوق، وصارت عاجزة عن مراقبة السوق، وبرزت سلسلة من المضاربين يقولون بألسنتهم إنهم "اشتروا السوق" كما تكاثرت إلى جوارهم مجموعات المنافع و"جماعات المصالح" التي اشترت كل شيء وبسطت نفوذها على كل شيء :
- إشترت كثيرا من الشركات المتعددة الجنسيات التي صارت تصنع لها ما تريد، من بضائع ومنتوجات، بناء على طلبات مغشوشة (سلع رديئة أو من درجة ثانية)،
- واشترت كثيرا من البنوك الوسيطة لتحويل العملة الصعبة بفواتير منفوخة تعطي لأصحابها هوامش ضخمة للتجارة بالتوريق في السوق السوداء، (التجارة في العملة وتبييض الأموال).
- واشترت بعض أعوان الجمارك الذين صاروا "شركاء" في الحاويات والسلع المستوردة التي لا يعلم إلاّ الله ما بداخلها من بضائع وما هي الأسعار الحقيقية لهذه المستوردات،
- واشترت بعض أعوان الجباية، وقمع الغش، والنظافة ةالشحن، و"التيكتاج"..وصارت البضائع المستوردة – بما في ذلك المواد الغذائية- تحمل الهموم والسموم لأن همّ أصحابها هو الربح السريع..وصارت كثير من المستوردات، تتهدد المواطن بالويل وسواد الليل في صحته وفي مستقبل أبنائه؟؟

المهم : ربح المضاربون هذه الجولة في ظل المأساة الوطنية، وظهرت فئة جديدة من الأثرياء، وصار لجماعات المصالح دواوين وبنوك..يتم تمويلها من القروض طويلة المدى..وهكذا فقدت الدولة سيطرتها على السوق، ولم يعد أعوانها قادرين على تحديد الجهات المتحكمة في المضاربة، أو "اللوبيات" التي تملك أن تفجرّ الشارع في الوقت الذي تحدده هي مهما بذلت الدولة من مساعي للتهدئة، لأن قطع الأرزاق من قطع الأعناق، وإذا كانت الدولة تمتلك المعلومة لتصنع بها القرار، فإن "بارونات" السوق صاروا يملكون البضاعة ليصنعوا بها الحدث، ومهما كان قرار الدولة صارما لفرض النظام فإن قبضة البارونات أكثر صرامة لإشاعة الفوضى.

وهكذا صار للأزمة أوجه عديدة تجاوزت المطالب الاجتماعية إلى العمق السياسي وصبّ عليها الوضع العالمي المزيد من الزيت لتزداد نيرانها إشتعالا.
,,,,,,,,,,,,,,,,,يتبع,,,,,,,,,,
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى