جنازة أربكان : دلالات المشهد والزمن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

جنازة أربكان : دلالات المشهد والزمن

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين مارس 07, 2011 11:15 pm

بقلم الدكتور عبد الرزاق مقري
حينما حُمّلت مسؤولية تمثيل حركة مجتمع السلم لحضور جنازة الأستاذ المرحوم نجم الدين أربكان أحسست بثقل كبير على كاهلي وتمنيت لو يحدث شيء خارج إرادتي يعفيني من هذه المهمة لأشغال كثيرة كانت تحاصرني ومزاج معكّر لما يحدث في ليبيا لم يفارقني . ولكنني حينما وجدت نفسي في قلب الحدث الجنائزي في اسطمبول حمدت الله على ما وفقني إليه إذ تحول هذا السفر إلى طاقة وصفاء وعزة وثقة قاطعة بمستقبل قريب واعد للإسلام والمسلمين.




ومن عجائب الأقدار أن هذا الذي شعرت به في أجواء الموكب المهيب وراء جثمان المرحوم في بلاد الترك يأتي في نفس الوقت الذي تقع فيه التحولات الكبرى في بلاد العرب. لقد اعتبر كل من حضر الحدث بأن الأمر يتجاوز بكثير مجرد تشييع لجنازة رجل مهما كانت أهميته وبذله في حياته، لقد كان حدث اسطمبول يوم الثلاثاء الأول من شهر مارس 2011 ميلادي الموافق للخامس والعشرين من شهر ربيع الأول 1432 هجري استفتاء حاسما على عودة تركيا لانتمائها وحضارتها يذكر بمقولة الإمام أحمد بن احمد رحمه الله حين قال في محنته (( بيننا وبينكم يوم الجنائز))، وكم لمت في نفسي قناة الجزيرة على عدم إبراز هذا الحدث للعالم العربي رغم انشغالها بما يحدث في ليبيا واليمن والبحرين ومصر وتونس وغيرها من الأقطار العربية، لكم تمنيت لو وقفت الجزيرة ولو ليوم واحد على الحدث وأعطت الفرصة للمحللين والاستراتيجيين ودارسي المستقبليات للبحث في علاقة المسارين التركي والعربي وعن فرصة التقائهما والتعاون والتكامل بينهما وكيف سيكون العالم كله وخصوصا العالمين العربي والإسلامي في المدى المنظور حينما يأذن الله بوصول المسارين لنقطة الالتقاء المقدرة لهما.

لا أريد أن أُفصل في مسيرة نجم الدين أربكان رحمه الله فقد كتِب فيها الكثير، والمراجع والمواقع المتاحة للتثقيف في النموذج عديدة، ولكنني أريد أن أتحدث عما تركه النجم وكيف سيؤثر رصيده وثمار عمله على مستقبل بلده وأمته بل والعالم بأسره. حينما بدأ أربكان العمل في نهاية الستينيات كانت تركيا في مرحلة تمكّن التيار العلماني الأتتركي منها، كان الكيان السياسي الرسمي لأرض الخلافة قد خرج من حوزة الأمة الإسلامية وصار يبحث لنفسه عن موقع وسط أوربا والمنظومة الغربية وصار دستور البلاد يُجرم كل اجتماع حول الإسلام ودوره ولو من خلال الذكر بالمسبحة والترانيم الصوفية، ناهيك عن محاربة الأذان والالتزام والحجاب والحرف العربي الذي كانت تنتمي إليه اللغة التركية. واطمأن الغرب وربيبته إسرائيل بنهاية الانتماء الإسلامي لتركيا بل وصار هذا البلد حليفا لهما وفق معاهدات دولية اعتقد الجميع بأنها وِثاق لا يمكن لتركيا الفكاك منه أبد الآبدين. تخصص أربكان في مجال السياسة والعمل الحزبي والصراع الحضاري وترك الوظيفة الدعوية والتربوية المباشرة والعمل الخيري لجمعيات وجماعات ومعاهد وطرق صوفية أخرى سايرت المنع والتضييق وتحايلت عليه وولجت صروح كل الأحزاب والهيئات حتى استطاعت أن تتحول إلى تيار جارف له من القوة الروحية والمادية ما جعله الآن ورقة حاسمة لترجيح الكفة لصالح الإسلام وأهله. كان أربكان نفسه، وكثير من أتباعه وأنصاره، أعضاء في بعض هذه الآخيات ليبقوا مشدودين للإيمان والسلوك الإسلامي ويكون عملهم كله صالحا مهما توغلوا في أزقة الحكم والسياسة، ولكنهم تخصصوا في مجال محدد وهو الصراع السياسي والفكري بقدر ما تتيحه الظروف في كل مرحلة من مراحل الكفاح. حارب أربكان العلمانيين بمنطق لا يستطيعون مواجهته علانية وإلا فقدوا شرعيتهم التي بها يريدون ربط تركيا بالغرب وهو منطق الحرية والديموقراطية والتنمية، أما التنمية فقد برهن عليها بكفاءته العلمية في مجال العلم والصناعة والتسيير بما يحمله من شهادات علمية وبراءات اختراع وقوة اقتراح، ونماذج ناجحة كل ما أتيحت له الفرصة. وأما تمسكه بالديموقراطية والحرية فقد كافح من أجلها بكل صدق ولو ضد رأي بعض من ينتمون للتيار الإسلامي الذي ينتمي إليه هو الآخر، فهو الزعيم الإسلامي الذي قبل سنة 1974 التحالف مع حزب الشعب اليساري الذي كانت تحاربه الأتاتوركية كذلك في تلك المرحلة، وحينما حقق معهم الأغلبية في البرلمان وحصل على منصب نائب رئيس الوزراء اتفق وإياهم على إلغاء مادة في الدستور تجرم كلا من العمل الشيوعي والعمل الإسلامي، وحينما قام بهذه الخطوة صُبّ عليه سخط قادة جماعة إسلامية متشددة فخرجوا من التحالف الذي كان قد أبرمه معهم لانزعاجهم من ضمان نشاط الشيوعيين دستوريا، ولم تفلح محاولاته لإقناعهم بأن لا مستقبل للإسلام والرقي والتطور إلا بالحرية وأن الحرية كما تًعطى للإسلاميين لا بد أن تعطى لغيرهم وأن من يملك الحجة والكفاءة والجدية في العمل هو من يستفيد من الحرية.

حينما وصل نجم الدين رحمه الله إلى جعل التيار الإسلامي حقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها وكسّر كثيرا من التابوهات وسارت الأغلبية الإسلامية تتعاظم من انتخابات إلى أخرى واقترب الإسلاميون من مشارف الحكم الحقيقي وأخذ يرفع سقفه عاليا في المطالبة بالرجوع لأمجاد تركيا العثمانية الإسلامية وبدأ يمد يده لحكومات العالم الإسلامي لتكوين محاور شرقية جديدة في مواجهة العولمة والمحاور الغربية بغرض تغيير الموازين القائمة في المنطقة وأخذ يحاصر المد الصهيويني ونفوذ الماسونية في بلاده اشتدت حملات المنع والصد من قبل القوى العلمانيية في الإدارة والقضاء والمؤسسة العسكرية والإعلامية ومن ورائهم إسرائيل وقوى الغرب كلها حتى وصلت تركيا إلى حالة من الانسداد جراء شدة الصراع صارت تهدد استقرارها واقتصادها ومكانتها. وفي هذه اللحظة شاء الله أن ينقل الراية إلى جيل جديد من أتباع القائد المؤسس رحمه الله على رأسهم رجب طيب اردوغان الذي تخرج من مدارس الأئمة والخطباء التي أسسها أربكان وكان من أكثر المقربين له.حينما ظهر حزب العدالة والتنمية الذي أسسه أردوغان كحزب معارض لنظام الحكم بأسلوب جديد اعتقد الكثير بأنه مجرد تبادل أدوار ولكن اتضح فيما بعد بأنها سنة التدافع وحتميات التجديد إذ اقتنع جيل أردوغان بأن المكاسب الكبرى والاستراتيجية التي حققها زعيمهم وأستاذهم وولي نعمتهم قد تؤول إلى الزوال إن لم يقع تغيير في خطة العمل وإدارة الصراع. أكد النجاح الباهر الذي حققه حزب العدالة والتنمية صدقية توجهه ولم يتفهم نجم الدين رحمه الله التحول الذي وقع في بداية الأمر واعتقد بأن ثمة ردة على نهجه ولكنه مع مرور الزمن اطمأن على صدق أبنائه وإن خالفوه في الرؤيا والأداء وقد ساعد على ذلك التزام جيل العدالة والتنمية الشديد باحترام الشيخ المؤسس والاعتراف بأفضاله والإحسان له وعدم الرد على ملاحظاته وانتقاداته. وقد شاء الله أن تصفو الأجواء تماما قبل فاجعة الوفاة حيث بدأت فرص التقارب بين الطرفين تزداد يوما بعد يوم، وقد أجاب أربكان رحمه الله قبل بضعة شهور في قناة فضائية بأنه يحمل لأبنائه في حزب العدالة والتنمية كل مشاعر الحب وأنه حينما يشتد عليهم إنما يتصرف معهم تصرف الوالد مع أولاده لكي لا يضعوا أياديهم في أيادي إسرائيل والغرب وحينما حامت مخاطر حل حزب العدالة والتنمية من قبل القضاء العلماني اتصل بهم ووضع خبرته في التعامل مع حل الأحزاب تحت تصرفهم، وقد وصل التقارب قبيل الوفاة إلى حد الاتفاق على التحالف في الانتخابات التشريعية المقبلة في مواجهة مبادرات رص الصفوف التي يخطط لها معسكر الأحزاب العلمانية. لقد دخل حزب السعادة الذي كان يرأسه أربكان في منافسة شديدة ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات التشريعية السابقة وحصل على مليوني صوت ولكنه لم يدخل البرلمان لعدم تمكنه من الوصول إلى النسبة المطلوبة لذلك وفق قانون الانتخابات التركي، وكان من الممكن لهاذين المليونين من الأصوات أن تُكسِب الصوت الإسلامي خمسين مقعدا إضافيا لو كتب لها دخول البرلمان. وبما أن التحالف قبل الانتخابات لا يجبر المتحالفين أن يكونوا في كتلة برلمانية واحدة فقد اتفق أردوغان وأربكان على دخول المنافسة الانتخابية القادمة ضمن قوائم مشتركة فيُمكّن ذلك حزب السعادة من دخول البرلمان فيدعم نوابه التوجهات الإسلامية المشتركة ولهم مع ذلك أن يستقلوا في رفع سُقُفِهم المطلبية الإسلامية الخاصة بهم باسم كتلتهم فيوفروا هامش مناورة كبيرة لحزب العدالة والتنمية في أدائه الحكومي الحالي، ويُعدًّوا أنفسهم من جهة أخرى لخلافته مستقبلا ضمن منطق التداول الديموقراطي أو التحالف معه تحالفا كاملا حينما تتحسن الأوضاع المحلية والدولية لصالح تركيا ولصالح فلسطين ولصالح الإسلام والمسلمين.

لقد أظهرت جنازة نجم الدين أربكان بأن هذه الخطط الطموحة الجريئة الذكية المبدعة سائرة إلى فرض نفسها ولا شيء صار يقدر على صدها. فالإسلام الذي كان متخفيا البارحة صار يُعلن وجودَه بزخم جماهيري حاسم في موكب جنائزي مهيب لم تشهد له تركيا مثيلا منذ وجودها، وفق ما صرح به الملاحظون من مختلف التيارات التركية. بل ولم يحدث أن حضر جنازة من قبل في هذا البلد أشخاصٌ من مواقع عليا في الدولة والمجتمع ينتمون لأطياف مختلفة ومتنوعة بل ومتضادة، كلهم شهدوا بسمو قدر المرحوم وعلو إنجازه حتى أولئك الذين انقلبوا عليه وحاصروه سنوات طويلة خصوصا في انقلابات 1980 و 1997 حضروا هم كذلك وشهدوا بما شهد به غيرهم. لقد عاد الإسلام لتركيا ليكون هو مصدر الفخر والعزة والنمو والتطور بطرق تجديدية عصرية لا مثيل لها وقد فتح المجال أمامه واسعا ليؤدي دوره لا في تركيا وحدها ولكن في المنطقة العربية والإسلامية كلها وليساهم في تغيير معطيات الساحة الدولية لصالح الأمة وقضاياها.

إن وفاة الأستاذ المعلم نجم الدين اربكان في هذه المرحلة بالذات والمشهد الذي ظهرت به جنازته تحمل دلالات مهمة فهو تأكيد لدخول المنطقة العربية الإسلامية لمرحلة جديدة، فقد أدى المؤسسون ما عليهم وحققوا أهدافهم كاملة بإرجاع الأمة لدينها وهويتها وتركوا وراءهم شعوبا تواقة للعيش في رحاب الإسلام وعدله متوهجة للإصلاح والتغيير ومناضلين متوزعين في كل الأحزاب لهم القدرة والإمكان على المحافظة على المنجزات وتحقيق الطموحات، منهم المخضرم الذي على عاتقه تسهيل الانتقال من طور إلى طور، ومنهم الشاب المقبل على الحياة الذي عليه أن يُمسك أمره بيده وأن يعد نفسه لقيادة الحاضر والمستقبل. ولئن كان هذا المسار قد تأكد في تركيا، رسمته صورة الصبر الجميل في تلك اللوحة الفاتنة بالجمال في جو الرهبة والخشوع حينما حمل طيب رجب أردوغان وعبد الله غول ورفقاؤهم نعش أستاذهم وشيخهم لينقلوه إلى مثواه الأخير وقد تمكنوا من ناصية الحكم في تركيا، فإن السير في العالم العربي لا يزال لم يرس بعد على يابسة صلبة ولعل هذه الثورات العربية التي تعصف بصروح الطغيان والاستبداد بلدا بعد بلد قد تكون هي التحول التاريخي الذي سيصنع حرية تنطلق فيها المنافسة الجادة على خدمة الأقطار العربية بما يحقق التنمية والعدالة لجميع المواطنين والعزة والسيادة في الساحة الدولية بما يمكن من فهم عبارة " تركيا يدكم اليمنى" التي أطلقها أردوغان في اجتماع من اجتماعاته مع الزعماء العرب الذين لا يفهمون، فيتحقق التحالف السني العربي- التركي، فينضبط به الدور الإيراني المثير للنقاش، فتكون الوحدة العربية الإسلامية الشيعية - السنية فيزول بذلك الاحتلال الإسرائيلي من أرض فلسطين ويرجع الأقصى لأهله ..... وما ذلك على الله بعزيز....... كان الناس يرونه بعيدا وقد صار اليوم قريبا
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 24
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى