أزمة أرزاق أم أزمة أخلاق؟ (02)

اذهب الى الأسفل

أزمة أرزاق أم أزمة أخلاق؟ (02)

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين مارس 07, 2011 11:23 pm

بقلم رئيس الحركة الشيخ أبوجرة سلطاني
خلاصة ما سبق : تناولنا ظاهرة الاحتجاجات الشعبية كطريقة جديدة لاستخلاص الحقوق، وسجلنا أن حياة الناس صارت بلا كرامة، وأن السياسات العرجاء صارت عاجزة عن توفير حاجيات الناس كما صارت عاجزة عن توفير مناصب شغل شريفة تصمن لهم الكرامة، وأن "لوبيات" صارت تسيطر على السوق لتصنع فراعنة من "كرتون" يشترون ذمم الناس، وهكذا صار للأزمة الاجتماعية وجه أخلاقي ساهم في تعفينه الوضع السياسي العالمي فصب الزيت على النار لتزداد اشتعالا..يتبع..




3- تسقيف الأسعار : في غياب دور فاعل ومؤثر للسلطات العمومية يظل كل إجراء تتخذه الحكومة إجراءا ظرفيا قد يؤخر الإنفجار، ولكنه لا يلغيه كونه أصبح سيفا ذا حدين :

- حد شراء السلم الاجتماعي : فاللجوء إلى سياسة تسقيف الأسعار هو مجرد إجراء ظرفي لشراء السلم الإجتماعي بضخ المزيد من المال في أرصدة البارونات المحتكرة للأقوات والأرزاق (لأن التسقيف معناه : أن تدفع الخزينة العمومية فارق السعر إلى المستوردين نيابة عن المستهلك)، فيزداد الأثرياء ثراء ويزداد الفقراء تعاسة.

- وحدّ الاستجابة تحت الضغط : فالاستجابة للمطالب الاجتماعية تحت ضغط الشارع هو تأسيس لسابقة غير محمودة العواقب قد تضمن تأجيل الإحتجاج بالإستجابة الظرفية لصرخة غاضبة، ولكنها –مهما حاولت السلطة تبرير أفعالها- لا يكفي هذا السلوك لوقف الاحتجاجات ولا لإسكاتها نهائيا مهما حاولت بعض الجهات اختزال الاحتجاجات في غلاء الزيت والسكر،..لأن مطالب أخرى – بعد تسقيف أسعار المواد ذات الاستهلاك الواسع- سوف يُعاد طرحها اليوم أو غدا أو بعد غد، فالأزمة أعمق من أن يحتويها إجراء ظرفي يتمثل في خفض الأسعار، في غياب حوار شامل تتعلم فيه السلطات العمومية كيف تصغي لمواطنيها، وكيف تفهم انشغالاتهم وهمومهم وتعقيدات حياتهم لأنها أزمة أخلاق اجتماعية وأزمة منظومة سياسية..وأزمة غياب حوار..وأزمة قطع أعناق وقطع أرزاق قبل أن تكون أزمة مالية اقتصادية .

إن قوانين المنافسة التي تُرحّل المشكلات من الشارع الغاضب إلى خزينة الدولة إنما تعمل على تأجيل مشكلات كامنة في طريقها إلى الثورة، فالمنافسة تعني حرية السوق، كما تعني وجود بدائل، وكما تعني أيضا القدرة على كسر الاحتكار، وكلها أمور مرتبطة بسلسلة من الخيارات الكبرى ذات الطابع السياسي المتعلق بالإرادة السياسية في التعامل مع الأحداث، والتي من، أهمها سبع (07) ضروريات عاجلة :
- ضرورة فتح الساحة السياسية والنقابية للمنافسة في كل الاتجاهات بضوابط ،
- ضرورة كسر احتكار البارونات المصنوعة بمنتجين حقيقيين،
- ضرورة تغيير السياسات المتسترة بالوفرة المالية (البحبوحة النفطية)،
- ضرورة إنهاء سياسة رجال المافيء التي تحمل أوزارها الجهات الأمنية،
- ضرورة تصفية الحياة الاجتماعية من "الطفيليات" التي تحولت إلى دمامل وبثور في وجه الدولة، فلا نرى لها أثرا إلاّ في الانتخابات..
- ضرورة معالجة ظاهرة الفساد من المنبع وليس من المصبات،
- ضرورة تحرير وسائل الإعلام كلها، ولاسيما السمعي البصري، والذهاب بشجاعة إلى تعددية سمعية بصرية،
- ضرورة رفع حالة الطوارئ وإنهاء سياسة اللأعقاب في إطار الشفافية التامة والحريات وحقوق الإنسان..وكل مفردات الديمقراطية الحقيقية.. .

إن العالم من حولنا يتحول في كل لحظة، ويتحرك بسرعة "نون" ونحن نحاول اللحاق به بسرعة ابتدائية مقدارها ناقص واحدا، وإذا كانت الطفرة الصناعية العالمية قد نجحت في القذف بأطنان من المواد الإستهلاكية إلى الأسواق المستوردة – كحال الجزائر- التي ما فتئت فاتورة الغذاء تتضخم سنة بعد سنة حتى بلغت تكلفتها أضعاف ما يمكن أن نبني به عشرات، بل آلاف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ونفتح به مناصب شغل للشباب..فإذا ظل الحال هكذا، فإن علينا جميعا أن ندق ناقوس الخطر في خمسة (05) اتجاهات فرضت نفسها على الواقع، إذا كنا من الذين يحرصون على الاستماع إلى نبض الشارع، وهي :

- غياب الدولة : أو انكسار هيبتها بسبب ما يحصل من حولنا، فالسلطات العمومية مازالت تترقب الأحداث وتحاول معالجتها بعد اندلاعها، ومازالت مترددة في ضبط السوق من منابعه، أي على مستوى الجهات المستوردة والمخزّنة والمسوّقة..ومازالت تطارد باعة الطاولات والأرصفة ممن يقتاتون من عرق جبين مفروض عليهم، ومازالت تراقب وتترصد مهربي العجائن و"جالونات" البنزين والمازوت..وكل ذلك نشاط يبدد الطاقات ويوسع دوائر الغضب في غياب رؤية واضحة للسياسات المالية والاقتصادية والتجارية..تضع كل شيء في إطاره الصحيح وتصبح مصادرة السوق الموازية حقًا ومن صميم فعل الدولة وصلاحياتها..أما في غياب ضبط السوق، وضعف أجهوة الرقابة، فإن السلطات العمومية تدير ظهرها للمشكلات الحقيقية وتغض البصر عن "بارونات" تبييض الأموال ومهربي العملة والمتلاعبين بأقوات الناس، والمضاربين في أرزاق الشعب، وفي مقابل ذلك تتصدى لما تسميه السوق الموازية، فتصادر باعة الطاولات وتغلق دكاكين صغار الباعة وقاعات الشاي والحمامات العمومية..وفنادق صفر نجوم – وقد يكون ذلك حقا صغيرا- ولكنها تقفز فوق حقائق كبرى مذهلة بحاجة إلى معالجات في العمق.
- استقالة المجتمع : نقولها بصراحة، إن المجتمع كله قد استقال من وظائفه، فلا أحد صار معنيا بما يجري أو مهتما بمن حوله أو قائما بواجباته الشرعية ومسؤولياته القانونية..بدءا بالأولياء فالمعلمين والمربين والمدراء، فالمنتخبين (من ممثلي الشعب من البلدية إلى البرلمان بغرفتيه) فالإدارة، فالوزارة، مرورا بالأحزاب السياسية والنقابات العمالية والحركات الجمعوية والإتحادات الطلابية والنسوية والفلاحية والتجارية..وانتهاء بالرأي العام الذي ساهمت وسائل الإعلام في صناعته، وكرست الخيارات السياسية وحقائق الميدان انغلاقه على نفسه، وهكذا وجد المجتمع نفسه بعيدا عن صناعة الأحداث لأنه لم يعد معنيا بها ولا مشاركا فيها، وصار الجميع ينظرون إلى ثنائية غضبة الشارع وردع قوات الأمن، ولم تعد للمطالب طرق كثيرة تطرح في إطارها وتناقش بهدوء إلاّ الاحتجاج والتعبير عنها بالغضب وحرق العجلات المطاطية والتواصل عن طريق الانترنيت و(sms)..وكل وسائل الاتصال الحديثة.
وفي غياب الفضاءات الوسيطة والتأطير المجتمعي أو السياسي أو النقابي للقوى الحية في البلاد يجد الشباب نفسه وجها لوجه أمام قوات حفظ الأمن ومكافحة الشغب..
فمن يتحرك في مواجهة غضبة الشباب غير قوات حفظ الأمن وقوات مكافحة الشغب؟ ودعك من محاولات النضال بالفاكس الذي صار ديدن كثير من الأحزاب والجمعيات والنقابات.. فالشباب لا يقرأون ما يكتب ولا يستمعون إلى الخطباء الذين تحولوا إلى رجال مطافيء.

- التدني الأخلاقي : لهذا العامل أسباب كثيرة، خلاصتها أن الوازع الديني لم يعد كافيا لردع الناس عن ممارسة الفساد في أوسع دوائره، وهو فساد "مهيكل" ناجم عن ظاهرة صارت عامة لا تستثني أي قطاع، وزادتها وسائل الإعلام شيوعا حتى مسّ ثقافتنا الإجتماعية وعلاقاتنا ببعضنا، وزاد الطين بلة ممارسات بعض الجهات..حتى صار كل شيء مستباحا، فلا شيء بقي "مقدسا" في ضمير الشباب ولا خطوط حمراء أمام الانحدارات الأخلاقية المتوالية، ويكفي أن أضرب على ذلك مثالا واحدا من العناوين التي تطالعنا بها الصحف الوطنية يوميا (فقد أحصيت أزيد من خمسين (50) عنوانا مستفزا في صحيفة واحدة صادرة يوم الأربعاء 2011.01.05) كلها إثارة وكلها حديث عن الفضائح.. فقط صفحة الرياضة جاءت خالية من الإثارة، أما إثنتان وعشرون (22) صفحة من أصل أربعة وعشرين (24) كلها تهويل..وفضائح..وانهيارات أخلاقية.. حتى ما تنقله هذه الصحيفة من أخبار العالم عن صحف ومواقع إليكترونية تختاره بانتقائية تصب كلها في أخبار الهدم، وفي خصوصيات الناس والعورات والفضائح؟؟

فهل نعالج مشاكلنا بالسباب والشتائم ونشر أخبار الفضائح؟ وهل الطريق إلى إعادة بناء منظوماتنا الأخلاقية يمرّ وجوبا بالقذف والتجريح؟ وهل صارت أكثر صحفنا تروّج للرذيلة؟
- جشع التجار : ولا أقصد بهم تجار الشنطة، وباعة الطاولات من أمثال محمد البوعزيزي (التونسي)، وصغار من يقتاتون بخدمات صغيرة وبضائع مزجاة..إنما أقصد بهم كبار التجار من "بارونات" السوق الذين آل إليهم أمر احتكار السكر، والزيت، والحليب، والبقوليات الجافة، كما آل لبعضهم الآخر احتكار الحديد والإسمنت ومواد البناء..وصارت الدولة نفسها في قبضة "كمشة" من المضاربين الكبار الذين سيطروا على أقوات الناس وأعناقهم، وصار بأيديهم وحدهم ترموميتر النبض الاجتماعي، وهم وحدهم القادرون على فرض الفوضى وتحريك المجتمع.. أو بعث الطمأننية والسلم في نفوس الناس، بدليل أن الحل السهل الذي لجأت إليه الحكومة –بعد احتجاجات الشباب في عشرين ولاية- هو دفع الفارق من الخزينة العمومية ليصب في جيوب هؤلاء "البارونات" وكأن وجودهم قدر مقدورا.
- التكفل الجاد بالشباب : دفاعا عن الشباب نقول إنهم مازالوا مظلومين، ومازالت الآمال في عيونهم غامضة، والمستقبل غير واضح لأننا لا نحاورهم، ونكتفي بتقديم الحلول الجاهزة..فالحلول الظرفية الجاهزة تبقى ظرفية لأنها مُسكّنات موضعية لا تحل المشكلة بل تؤجلها، ولا تعالج سرطان الترديات الأخلاقية والانحدارات الاجتماعية..وإنما "يخدرها" مؤقتا حتى لا يرتفع صوتها بالصراخ والأنين والنواح، فإذا أفاق المجتمع من تخديره زادته الجهات الساهرة على إدارة الأزمة جرعة أخرى مسكنة قد تكون أكثر تركيزا ليهدأ.. ولكنها تخدير وليست علاجًا.

إن الجيل الذي تخلّق في رحم "المأساة الوطنية" هو جيل من طينة "الفايس بوك" و"NET LOG"،..جيل لم يتربَّ في المساجد ولم تتم توعيته في نوادي الشباب..ولم تؤطره الأحزاب السياسية، ولم تحتضنه الجمعيات.. كما لم تتكفل مؤسسات الدولة الرسمية بانشغالاته..لذلك فهو جيل جديد متروك لنفسه لا يؤمن بخطابات لغة الخشب، ولا يقتنع بغير التساوي الكامل مع اشتراطات العولمة وأنماط العيش الرغيد، وذلك كله من حقه..وهو يعمل من أجل تجسيد هذه المطالب، وهو – في كل الأحوال- شباب حي وناضج ومستعد للحوار، وذو توجه وطني عميق..لكنه مازال في بداية الطريق وإمكانية تربيته وتوعيته و"هيكلته" وإعادة صياغة شخصيته مازالت قائمة بشرطين :
• فتح فضاءات الحوار معه أفقيا وعموديا
• إنهاء سياسة الوساطة بينه وبين قناعاته ورغباته وأحلامه.

هذه هي المفاتيح الخمسة (05) التي يجب أن يُعاد إستعمالها لفتح أقفال الجبهة الاجتماعية، ولزرع الثقة في نفوس الشباب الذين هم عدة الحاضر وعماد المستقبل، وهي مفاتيح أصلية، تحتاج إلى تلميع إعلامي بعد إعادة تشحيمها وتزييتها بسوائل وطنية(دعوية وتربوية وسياسية وإعلامية..) كلها مازالت بأيدينا، وقد جربناها في "المونديال" فكانت لها علاقة بالانتصارات الكبرى الكفيلة وحدها بأن تنسي شبابنا هزائم الأمة على مدار خمسين (50) عاما في مسمى الصراع العربي/الصهيوني.

الخـــاتمة : ليس لهذا المقال خاتمة فهو مقال مفتوح.. لأن الحكاية مع الشباب لم تنته بعد، وأن الصفحة مازالت مفتوحة طالما أننا لم نُعط الأهمية الكاملة لجيل جديد من مازال في سن الزهور جيل يتطلع إلى الحياة الكريمة والحق في العيش الرغيد..جيل نشأ تحت حالة الطوارئ، وفي ظل المأساة الوطنية تتراوح أعمارهم (بين 12 و 25 عاما) جيل جديد لم تربَّه الأسرة، ولا المدرسة، ولا الحركة الإسلامية ولم يوطره المجتمع المدني والحركات الجمعوية ولم تستطع الأحزاب السياسية استيعابه....جيل جديد نشأ في رحم المأساة الوطنية وتربى على التواصل الإعلامي للشبكات العنكبوتية، جيل ثائر على واقعه وغير مقتنع بأطروحات الأنظمة السياسية يرفض كل شيء قديم..ويرفض الإنخراط في الأحزاب والنقابات..لأن هذه "الفضاءات التقليدية" لم تعد تعكس طموحاته ولا تلبي احتياجاته ولا تعبّر عن أشواقه، ولا تجسد أي شيء من أحلامه ذات البعد العالمي.
فالأزمة في حقيقتها أزمة "احتقار متبادل بين السلطة والمجتمع" يدفع ثمنها الشباب.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى