النجم الذي أربك الخصوم

اذهب الى الأسفل

النجم الذي أربك الخصوم

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين مارس 07, 2011 11:31 pm

بقلم الشيخ أبو جرة سلطاني
قدر الرجال أن يموتوا أسودا، هذا هو الشعور الذي إنتابني وأنا أفجع بنبأ انتقال البروفيسور نجم الدين أربكان إلى رحمة ربه. يوم الأحد 27 فبراير 2011 عن عمر يناهز 85 عاما بعد حياة مفعمة بالإبداع الإسلامي..




فقد عرفت الرجل عن قرب، وتابعت محاضراته باهتمام..وشدّ كل مسامعي وملأ كل الفراغات التي يحسها المرء في لحظات اليأس من التغيير، كان يتحدث بهدوء وكأنه يقرأ في كتاب مفتوح، ويحمَّل مآسي ما لحق البشرية للكيان الصهيوني ولجميع الواقفين خلفه لحماية "الإرهاب الرسمي" ضد مكونات ومقومات الأمة الإسلامية التي كان ممنوعا عليه أن يذكرها بالإسم، ولكنه يرمز، إليها مرة باسم النظام العادل، أو باسم الفضيلة، وأخرى بإسم العدالة، وثالثة بإسم الرفاه، ورابعة بإسم الحق والعدل..ومع ذلك صودر كلامه وحُلّ حزبه - بل كل الأحزاب التي أنشأها بين 83-2000- ومُنع من التحدث لمن أحبوه لأنه – في نظر أعداء الإسلام- صار يمثل "مرجعا" من المراجع العالمية للأمة الإسلامية، ولأنه وضع أصبع الحق على مكمن الداء، منذ أن أسس مع إخوانه في الحركة النورسية "حزب النظام الوطني" ليعيد بعث الهوية الإسلامية من تحت أنقاض العلمانية بعد خمسين (50) عاما مضت على سقوط الخلافة الإسلامية، لذلك تمت محاصرته ومُنع من أي نشاط معلن بعد أن نجح في إختراق جدار العلمانية لأول مرة، بتأسيس كيان ناطق باسم الإسلام سنة 1985 :
- حوصر الحزب ورجاله، وسجنوا..
- منع من المشاركة في الحكومة،
- منع من التحدث في البرلمان باسم الإسلام،
- تم حل الحزب بعد 09 أشهر من ميلاده..

أسس حزب السلامة الوطني، وخاض به الإنتخابات البرلمانية وحصل على خمسين (50) مقعدا أهلته ليشارك في الحكومة – عن طريق التحالف مع حزب الشعب الجمهوري- مع أن هذا الحزب علماني 100%- وقد أسسه مصطفى كمال أتاتورك من أجل حماية العلمانية، ولكن من أجل الوطن تصبح السياسة وسيلة لخدمة المقاصد النبيلة. لأنها "فن الممكن" وقد أصبح أربكان – بفضل هذا التحالف- نائبا لرئيس الوزراء، وبهذا دخل التيار الإسلامي –لأول مرة- رواقات الحكومات العلمانية وبدأ يشارك في صناعة القرار، وحقق ستة (06) مكاسب لم يكن الشعب التركي يحلم بها، وهي :
- الإعتراف بالإسلام واقعيا، بعد تهميش دام نصف قرن،
- الإعتراف بالأحزاب الإسلامية رسميا بعد طول منع،
- تنازل الأحزاب العلمانية عن كثير من إشتراطاتها،
- محاصرة الماسونية في عقر دارها وإغلاق بعض مقراتها،
- إعادة ربط العلاقات بالعالم الإسلامي بعد طول توتر،
- فتح طريق التأييد للشعب الفلسطيني رغم التحالف الإستراتيجي بين تركيا وإسرائيل..إلخ.

ولكن الجيش، باسم الدستور العلماني، إنقض على هذه "الإصلاحات" فعطل العمل بالدستور، وحل الأحزاب، وبدأت سلسلة من الإعتقالات إنتهت بتجميد الحياة السياسة التي كان البروفيسور أربكان قد أسس لحراكها الوطني، وحمل لقب "أبو الإسلام" في مقابل أبو الترك، أو "أتا تورك" لأن الحركة الإسلامية في كل أرجاء تركيا اليوم ثمرة من ثمراته وحسنة من حسناته، وكلهم من تلاميذته بمن فيهم رجب طيب أردوغان وعبد الله غول..وكثير من زعماء العدالة والتنمية (الحزب الحاكم في تركيا).

كان له – رحمه الله- الفضل في عودة الوجه الإسلامي إلى تركيا من خلال مساره النضالي الطويل، وخطبه الإستشرافية ومشاركته السياسية، ومرافعاته داخل قبة البرلمان..كما كان له الفضل في حشد أزيد من 500 ألف تركي للتظاهر في شوارع إسطنبول سنة 1980 ضد الكيان الصهيوني، مما عرض حياته للخطر، وقاده إلى الإعتقال والسجن مع مجموعة من كوادره وعلماء تركيا.

وبميلاد حزب الرفاه دخلت تركيا في طور سياسي جديد، بدأ فيه اللون الإسلامي يطغى على المشهد السياسي، بعد حصول هذا الحزب على 185 مقعدا في البرلمان، وهو ما نقل البروفيسور نجم الدين أربكان إلى سدة الحكم كوزير أول في حكومة إئتلافية مع حزب الطريق القويم برئاسة السيدة طانسو تشيلر، ولكن الخطوات الطموحة لأربكان و"مخططاته" الكبرى لجمع قوى الأمة الإسلامية أثارت مخاوف الغرب فتم تطويق خطواته سنة 1998 بحظر الحزب وحله، ومنعه من النشاط السياسي بتهمة معاداه العلمانية، ومنع البروفيسور من النشاط السياسي لمدة خمس (05) سنوات، ولكن البروفيسور لم يتعب ولم تثنه المؤامرات فأسس حزبا جديدا سماه "الفضيلة" وسلّم قيادته لأحد كوادره، لكن المسار لم يطل به إذ تم التصدي له وغلقه سنة 2000، فانتقل خطوة أخرى إلى الأمام (من الرفاه إلى الفضيلة إلى السعادة) وأسس حزبا جديدا تحت هذا العنوان : السعادة، وقبل أن ينطلق في نشاطة السياسي تم إعتقال الرئيس – وعمره كان يقترب من الثمانين حولا- وحكم عليه بالسجن سنتين، وفور خروجه ترأس الحزب ثانية..واستمر يراقب الحياة السياسية – حتى وهو في الإقامة الجبرية- إلى أن أخرجه رجب طيب أردوغان منها سنة 2008، فعاش بقية حياته موجها لحزبه من بعيد..بعد خروجه من ظلم الإقامة الجبرية.. وبعدها بثلاث سنوات لاقي ربه عن عمر جاوز الخمس والثمانين (85) سنة رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

تعلمنا من البروفيسور أربكان ثلاث (03) خصال لا يمكن أن تجتمع إلاّ فيمن كان قدوته رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وكانت رسالته نابعة من عزيمة أولي العزم من الرسل (عليهم السلام)، وهي :
1- ثقته في الله، بحيث كان يحدثك عن غلبة الإسلام وانتصاره وسيادته على البشرية، وكأنه يراه غدا. (كان يشير إليه بالإصبع).
2- صلابته في الحق، وكأن البشرية كلها أمامه غثاء، وهو وحده الماسك بالحق، وهو ومن معه الأمة، كما كان إبراهيم الخليل أمة.
3- تواضعه الشديد، الذي يجعلك تُصدم بهيبته وهو يزلزل الأرض تحت أقدام الطغاة بخطاباته ومرافعاته..حتى إذا جلس إليك ناولك الإكراميات بيده، مبتسما..وهو يحدثك عن ثقته العميقة في الله بأن الخلافة الإسلامية عائدة بعزّ عزيز أو بذل ذليل.

ويكفي أن تعرف أن حزبه (الرفاه) لم يحصل إلاّ على 1،5 % من الأصوات في الإنتخابات 1983 ولكن تصميم البروفيسور وثقته في شعبه..وإيمانه بفكرته.. نقله إلى المعالي بالحصول على الأغلبية النسبية بعد 13 عاما فقط، أي في إنتخابات 1998 ونقله إلى رئاسة حكومة الإئتلاف، وفي أقل من عامين 86-1988 إستطاع أن يحوَّل أنظار العالم كله إلى تركيا بتأسيس ما سماه "مجموعة الـ 08 الإسلامية" في مواجهة مجموعة (G8) وربط أطراف العالم الإسلامي داخل هذا التجمع الإقتصادي الكبير الذي ضم (تركيا، إيران، باكستان، أندونسيا، مصر، نيجيريا، ماليزيا، وبنغلاديش) ثم نضم المؤتمر العالمي لقيادات العمل الإسلامي.

فأخاف العالم كله بهذه الإجراءات الإسلامية المتسارعة.. مما دفع مؤسسة الجيش إلى أن تخيَّره بين تعطيل الوظيفة الإسلامية في تركيا أو الإستقالة من رئاسة الحكومة، فاختار ترك الحكومة إلى حين، ولما توالت الضربات عليه وعلى ما يحيط به، إلتقط "تلامذته" النجباء (أردوغان..غول..)الخيط، وتحولوا بالخط السياسي وجهة أخرى إتَّخدت منحيين متكاملين تؤجل خلالهما المعركة الإيديولوجية إلى حين، وهما :
- العدالة في التعامل مع المواطنين وفي توزيع الثروة..وفي العلاقات مع الشعب.. ومع المحيط المجاور بسياسة صفر خلافات،
- التنمية الشاملة في كل الإتجاهات، والحرص على رفاه المواطن التركي وحريته وكرامته.. خارج المظلة الإيديولوجية، بالتركيز على الإنجازات في الميدان والإحتكام – في كل صغيرة وكبيرة- لمؤسسات الدولة (البرلمان، والقضاء..) دون تصادم مع النظام العلماني.

وبعد سبعين (70) عاما من الجهاد السلمي على كل الجبهات..مات البروفيسور، وفي نفسه شيء من أحلام عودة الخلافة الإسلامية التي عاش حياته كلها يتحدث عنها تحت عناوين كثيرة بدأت بالرفاه وانتهت بالفضيلة، وترك من خلفه رجالا وأي رجال، كان من أنبغهم رجب طيب أردوغان الذي جمع بين حكمة الشيوخ وحماسة الشباب بالعدالة والتنمية. وصدق من قال :
فاكتبوا بدم الأحرار قاعدة * يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر.

إنا لله وإنا لله راجعون.
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى