شهر على رحيل عثمان سناجقي : نهاية قلم شجاع

اذهب الى الأسفل

شهر على رحيل عثمان سناجقي : نهاية قلم شجاع

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الإثنين مارس 07, 2011 11:37 pm

بقلم رئيس الحركة فقدت الساحة الإعلامية الجزائرية، وجريدة الخبر تحديدا، يوم الخميس 2010.12.30 واحدا من أكبر "مهندسي" نجاحاتها، بعد الاحتفال بالذكرى العشرين لتأسيسها، وهي الجريدة التي ارتبط إسمها به كواحد من أبرز الذين انتقلوا بها من الساحة الوطنية إلى العمق العالمي، ومن الهواية إلى الإحترافية والمهنية..










ذاك هو الفقيد عثمان سناجقي (رحمه الله) رئيس تحرير يومية الخبر الجزائرية التي تصنف كواحدة من أكبر الصحف المستقلة وأكثرها احترافية ومقروئية على مستوى قراء الحرف العربي والمنتمين للتيار العروبي الإسلامي الوطني بشكل عام، وشهادة للتاريخ أسجل هذه الملاحظات الثلاث (03) قبل التحدث عن الرجل وعن "العرين" الذي كان يحرص المساحات الحرة في هذا الوطن، ويتطلع إلى "تحرير" كثير من الفضاءات المغلقة أو المحتلة تقليديا.


- الملاحظة الأولى، لم أشهد عددا غفيرًا من المعزين – على كل المستويات ومن جميع التوجهات والأقطار والمهن والمراتب- حضروا جنازة بمثل من حضروا جنازة المرحوم عثمان وأجمعوا في كلماتهم على أن مهنة المتاعب قد فقدت واحدا من أشد "عرصاتها" وأخلص رجالاتها.


- والملاحظة الثانية، كان وفاء أصدقاء الراحل في مستوى تضحياته، فقد ظلت الاتصالات تتوالى، والزيارات – إلى مقر الجريدة- تتواصل دون انقطاع على مدار أكثر من أسبوعين، وكلهم أجمعوا على أن الخسارة كانت كبيرة، وأن تعويض الرجال مطلب مستحيل.


- والملاحظة الثالثة، أن كلمات العزاء تجاوزت "العادات اللفظية" المدندنة حول الدعوات بأن "يتغمده الله برحمته الواسعة ويرزق أهله وذويه جميل الصبر والسلوان.." إلى الحديث عن مواقف الفقيد وإنجازاته وعلاقاته المتشعبة، وقدراته اللامتناهية واستماتته في الدفاع عن الحق العام والتضحية في سبيل إرساء تقاليد عمل جديدة هي "فاتورة" الإبداع وثمن النجاحات الكبرى.


ولأنني لا أحسن الحديث عن الأشخاص، وأفضل الحديث عن المآثر والقيم والمواقف، وأتتبع أثارها على الفكر واللغة والتاريخ والمجتمع..فإنني سوف أكشف عن ثلاثة (03) إنجازات باهرة في مسيرة المرحوم عثمان، ربما لم يكن هو نفسه مدركا لأثارها على الواقع لشدة تواضعه، وإن كان حريصا على القيام بواجب الكفاح الإعلامي لإرساء منظومة سياسية أكثر حرية وألمع شفافية وأقدر على مواجهة التحديات العولمية.


1- الرسالية : حمل المرحوم عثمان رسالة القومية العربية، منذ كان طالبا بثانوية ابن تومرت (بوفاريك) وقد لاحظ من كانوا يدرسون معه هذا الميل الفاقع إلى البعد العروبي بكل تجلياته، وكان هو نفسه متفتحا على التيارات القومية ميالاً إلى أطروحات البعث..، أو ما يبدو منها خلال تواجده بعد ذلك بثانوية إبن رشد (البليدة)، وقد وجد ضالته في معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية (بالعاصمة).


فكان من كبار المدافعين عن القضايا العربية، ومن الحالمين بوحدة الوطن العربي الكبير، وكان صوته صداحا في الدفاع عن التعريب، يقول كلمة الحق ويجاهر بعداوته لليسار ولكل التوجهات العلمانية ودعوات التفتيت، وقد أهلته مواهبه المبكرة أن "يلعب مع الكبار" وأن يأخذ على عاتقه مسؤولية التنظيم السّري النشط بالجامعة إلى أن تفجرت أحداث 1982 وعرفت الجامعات الجزائرية بروز التيارات الثلاثة الكبرى إلى العلن :


- التيار الإسلامي المنادي بأسلمة الواقع وأخلقة المجتمع
- والتيار اليساري الداعي إلى علمنة الجزائر وتغريبها
- والتيار العروبي المدافع عن اللغة والتوجهات القومية والبعثية..


ولئن كان انتماؤه منحازًا للتيار الثالث، إلاّ أنه كان منفتحا على المحيط العام باحثا عن قواسم مشتركة، بين جميع أبناء الجزائر، تؤهل الجميع لتجاوز مرحلة الإنسداد الأحادي الذي أغلق كل الهوامش النضالية وحاصر الإعلام والفكر والدين واللغة والأدب..أما السياسة فكانت "طابو" الحزب الواحد والرأي الواحد.. يكلف كل مقترب منه الإبعاد والتهميش أو الاعتقال والسجن..


شق الرجل طريقا وسطا داخل هذه الركامات، واختار الصحافة وسيلة لتجسيد أحلامه الكبرى التي يبدو أنه سحب بساطها – بعد انكسار الأحادية – تيار من جيل الشباب من تحت أقدام الحزب الواحد، فخرج من رحم "يوميات الجهاز" عناوين مستقلة حملت على عاتقها مسؤولية التغيير وكسر الجوار والإحتكارات كلها، كان من بينهم الصحافي اللامع عثمان سناجقي، وكان من بين هذه العناوين الفاقعة يومية الخبر.


2- حرية الرأي : إن تولي مسؤولية تحرير صحيفة ذات خط غير منحاز، في نظام يتحدث عن التعددية ويمارس الأحادية، هي أشبه بالقتال ضمن بعثات الأمم المتحدة في قطر عّمته الفوضى..وصار فيه الجميع يزعم أنه حريصون على الوحدة الوطنية، ولكن الجميع يقتل وينهب ويحرق ويغتال..باسم المصلحة الوطنية، وباسم "تفويت" الفرصة على العملاء، وسد الطريق أمام المتلاعبين بوحدة الأمة والدين والوطن..


وعندما استلم الفقيد عثمان رئاسة تحرير الخبر كانت الظروف كلها ضد حرية التعبير، وضد من يقول الحق، وضد من يحاول أن يطلق رصاص الكلمات في اتجاه معسكرات التكميم والتلجيم والتلحيم..باسم الخوف من الإنزلاقات..أو باسم المراحل الإنتقالية أو تحت مظلة "حالة الطواريء".
لقد تزامن وصوله إلى "مكان الحريق" مع استفحال المأساة الوطنية، وحلّ محل رفيق درب اغتالته يد الإرهاب..وصدور قانون يعاقب الإمام والصحفي على الخطاب وعلى المقال، وكانت الكلمة أشد فتكا من الرصاصة، وكانت حماية المحررين والمراسلين مهمة مستحيلة، وكانت "الغربلة الداخلية" التي يسمونها الرقابة الذاتية – قبل وصل زوار الليل مهمة شاقة، ولم يكن الشجعان كثيرين إلى درجة أن "جيشا" عرمرما من الصحافيين شدوا رحالهم إلى الخارج، أو غيروا أسماءهم الحقيقية وصاروا يكتبون ويوقعون مقالاتهم بأسماء مستعارة خوفا من البطش المزدوج :


• بطش مقصلة القضاء الإداري
• بطش رصاص القدر الخفّي


وكيف يحمي عثمان زملاءه، وقد وقعت على كاهله مسؤولية مزدوجة أمام الرأي وأمام ضميره، لذلك كابد بصدق، وجالد بحق، وتحرك بنزاهة،وشق طريقه بثبات، واستطاع فقيدنا عثمان (مصطفى أبو أكرم) أن يؤسس لطريق ثالث في مجال حرية الرأي وفي الفضاءات المتاحة لحرية التعبير، أسّس لطريق جديد يمكن أن نطلق عليه إسم : الرأي المتجرد، والخبر غير المنحاز البعيد عن التلوين والتعليق والإضافات المستفزة، لأنه كان يدرك أنه – بصفته رئيس تحرير- فهو الغربال الحيادي الذي يجب أن تتم من خلاله "تصفية" الأخبار الواردة إلى قاعة التحرير من الأنانيات الذاتية والنزعات العرقية والخدمات المجانية..لهذه الجهة أو تلك، ليمر الخبر متجردا من الإنحياز الإيديولوجي سالما من الضغائن.


وهكذا ضمن عثمان ليومية الخبر المصداقية والحقيقة والموضوعية وأدرجها في أثواب المصلحة العامة. فمازت السبق وتصدرت قافلة الصحف المحترفة.


3- الاحترافية : إن ربع قرن (85-2010) قضاها عثمان في التعاطي مع عالم الصحافة الحزبية زمن الحزب الواحد والمستقلة زمن التعددية - ليس شيئا كبيرا، إذا كنا نتحدث عن العمل الإعلامي في واقع مستقر، أو في مسارات عالمية هادئة، أما إذا تعلق الأمر بسنوات الجمر والفوضى والجنون، فإن المعايير كلها سوف تتغير لتستصحب معها كل تداعيات المأساة الوطنية، لاسيما بين سنوات 92-2009.


لقد بدأ حياته الصحفية، أيام الحزب الواحد، بيومية الشعب (التابعة للقطاع العام) وبعد دستور 23 فبراير 1989 الذي كرس التعددية أسس – رفقه مجموعة من الشباب المغامرين- جريدة الخبر في شهر نوفمبر ،1990 لتبدأ المعركة الإعلامية على ثلاث جبهات معلنة، ولا نتحدث عن الخفايا :
- جبهة التمكين للحرف العربي بعنوان حرية التعبير في ظل التعددية.
- وجبهة كسب رهان المقروئية وصناعة الرأي العام.
- وجبهة التمويل الذاتي لعنوان خرج من زحمة الاحتكار.
وكلها جبهات معارك ضارية تتحدد نهاياتها بالقدرة على كسب رأي عام وطني يتعاطف مع القضايا التي كان الطاقم الشاب يناضل من أجل إرساء تقاليدها، ويدفع من التضحايت ما لا يخطر على بال.
لقد سقط "مهندس" هذه اليومية المرحوم عمر اورتيلان في أتون المأساة الوطني زمن الفوضى والجنون، وكان يمكن أن تخبو جذوة التحدي في نفوس إخوانه بيد أن المرحوم عثمان إلتقطت المشعل سنة 95 وسار به باتجاه الاحترافية التي آمن بأنها الطريق الوحيد لإرساء تقاليد إعلامية مميزة، قد يكون طريقها طويلا وشاقا، وقد تصنع من الخصوم والأعداء أكثر مما تكسب من "المريدين" والأصدقاء، وقد تترنّح بأصحابها ذات اليمين وذات الشمال..ولكنها هي وحدها الضريبة التي ينبغي أن يسددها القائمون على مهنة المتاعب للوصول إلى عتبات الاحترافية وإرساء تقاليد إعلامية مهنية تتجاوز مناطق الإثارة ومكاسب الصحف الصفراء، وتنقل التجربة برمتها من طور التأسيس إلى مرحلة إقامة المؤسسة العصرية التي تصبح – مع الزمن- مثابة للناس وأمنًا منها يستقون أخبارهم ومن خلالها يطلون على العالم ويبنون القناعات..


وبين سنوات 95-2010 أرسى تقاليد مهنية يشهد له بها كل من عمل معه أو استفاد من نصائحه وتوجيهاته، وصارت يومية الخبر هي فطور الصباح لشرائح واسعة من أبناء الجزائر وبناتها ومحط الثقة لكثير من المسؤولين و"مرجع" لكثير من القضايا الإستراتيجية لبعض المحطات والقنوات والعناوين الأجنبية.


إن رهان الصدق والمصداقية ليس شعارا يرفع وإنما هو مسار يكرس، وجهد يتوالى، وتضحيات دونها مسافات الجزائر العميقة، ولأن المرحوم عثمان استوعب هذه المعاني الكبرى فقد جسدها واقعا ملموسًا في يومية الخبر، شهد له بذلك كل من تحسر على موته وتأسف لرحيله وتضامن مع رفقائه من رجال مهنة المتاعب.


إن من يعيش لفكرة واضحة ورسالة شريفة، سوف يجد في طريق سيره إليها مشكلات وتعترضه عوائق وصعوبات، ويكثر النصحاء والعاذلون من حوله، فإذا إلتفت إليهم تشتتت فكرته و"تميعت" رسالته، أما إذا مضى في طريقه غير آبهٍ بما يقال، فإن الجميع سوف يشهدون له بالتضحية ويترحمون عليه يوم وداعه..


كان ذلك شأن المرحوم عثمان في مسيرته الطويلة في عالم المتاعب.

avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 25
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى