رؤية الإسلاميين للحكم الراشـد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رؤية الإسلاميين للحكم الراشـد

مُساهمة من طرف أمل المستقبل في الثلاثاء مارس 08, 2011 1:18 am

الحكم الراشد مصطلح شدّ الانتباه وجلب لساحاته جدال ونقاش من كل الأطراف السياسية والثقافية والفاعلين الاجتماعين والإعلاميين وكانت نقطة البداية في النقاش هل هذا المصطلح هو تعبير عن إرادة سياسية فعلية في تحقيق الحكم الراشد بكل معانيه وتقتضيه الكلمة في الواقع ؟ أم هو تعبير عن إرادة احتواء إرادة شعبية ظلت حبيسة سياسيات فشلت في تحقيق التنمية على مستوى البشري والمادي وتحرير الإرادات الإيجابية في ساحة المجتمع وتجسيد السيادة المعتلة بالتدخلات الخارجية التي تعيق التحرر الحقيقي





إنّ المتتبع لأوضاع المجتمع يلحظ فيه جملة من المظاهر يلزمنا الوقوف عندها بكل عناية ودراسة واستخلاص الدروس منها

وأول ما يلفت الانتباه في مجتمعنا أنه مجتمع في هذه المرحلة خارج عن الإطار السياسي بمعنى لايحكمه تصور سياسي معين خاصة في قضية ماذا يريد المجتمع سياسيا في حاضره ومستقبله؟ ومن هنا كل من يريد معاينة المجتمع ليحدد فيه البرامج والحاجيات السياسية والحلول لمختلف المشكلات وما يهدف إليه سياسيا يجد نفسه في تصور سياسي مقلوب ومنقوص الصورة غير مكتملة وبعضه مشوه ومغلوط ومبالغ فيه وهذا يجعل الأطراف السياسية تتعاطى معه بالسطحية والظرفية والهلامية التي تخرج الفعل السياسي من دائرة التأثير وصناعة المستقبل السياسي للمجتمع

وهو للأسف خارج مجال التغطية السياسية والحزبية والجمعوية فكل الإحصاءات تدل على عزوف أغلبية المجتمع عن الانشغال بالسياسة التي تمارسها الأحزاب و كذلك السلطة من خلال ملاحقها وإمتداداته في المجتمع وما يؤكد ذلك عزوف الناس عن الانتخابات بلمحة أنه غير معني بها وهل نعتبر ذلك تعبيراً سياسياً أو اجتماعيا ؟ وما يدل أيضا على ذلك هو اتجاه معظم الفعاليات السياسية في المجتمع إلى عملية توسيع التغطية الحزبية والسياسية للمجتمع من خلال سياسات الانفتاح وتشبيب الحزب وتطويره والعمل على استيعاب أكبر مساحة بشرية في المجتمع

وما يجعل المجتمع بلا تصور سياسي محدد كما ذكرت هو وفرة الأطروحات السياسية وتشعبها وتناقضها في ساحته من جهة وحالات الفشل والإخفاق التي عرفتها بعض التصورات السياسية سواء الرسمية أوغيرها التي حشدت المجتمع في فترات معينة من تاريخه من جهة أخرى

وما يجدر ذكره في هذا السياق هي العولمة والانفتاح على العالم الخارجي في كل تفصيلاته وكلياته مما جعل مجتمعنا عنده في أفاقه عدة مجتمعات متباينة ومتعارضة ومتشابهة في وقت واحد

ولعل موضوع الحكم الراشد جاء كمحاولة لتحديد التصور السياسي في المجتمع بحكم أن المجتمع تواق للعدالة والحرية والتنمية والعيش السعيد وتكافؤ الفرص في كل الميادين والتوزيع العادل للثروات والتسيير الشفاف والنزيه للقدرات والإمكانات والأموال

والحقيقة التي يجب أن ندركها أننا نتصور المجتمع من خلال ما نحب أن نراه ونريده ونفسر كل ظاهرة فيه أو سلوك على النحو الذي يرضينا ويحقق راحتنا في التعاطي معه وهذه تعتبر قفزة في الهواء لاتعرف عواقبها السياسية والاجتماعية والنفسية وما يلزم فعله هو التعاطي مع الحقائق كما هي في الواقع بحكم أن المجتمع وتفاعلاته المختلفة سابقة للجماعات والكيانات التي تتشكل فيه بحكم التحديات والمسارات المختلفة الموجودة فيه والظروف القائمة و التي مرت عليه فالجزئية لايمكن أن تكون كُلية ولايمكن للكلية أن تلغي الجزئية في مسيرتها

إنّ الإسلاميين يهدفون بعد مسيرتهم التي كانت مليئة بالإنجازات والإخفاقات وبعضها كلفهم الكثير من الارتجاجات والإهنزازات والخسائر على المستوى البشري والوقت والجهد والتنظيمي والسياسي والتربوي مما يجعلهم اليوم أكثر عقلانية وموضوعية وحريصين على المرحلية والانتقال فيها بهدؤ وعدم التهور مع المجتمع مما يوقعه في تفاوت بين السرعات وصراع الإرادات خاصة ما تعلق بالحاكمية وإدارة شؤون المجتمع في مختلف الجوانب,

فالحكم الراشد هو الأنسب ليكون قاعدة مشتركة بين التيارات السياسية ومختلف القوى الفاعلة في المجتمع إذا أقمناه على المقاصد الكلية للحياة السعيدة وهي خمس أولاً,,, الدين ,, وهو الأساس للوحدة بين أفراد المجتمع حيث يحدث الترابط والتوثيق بينهم ويبـعد عن المزايدات والتفاضل ويبقى كهوية يتميز بها المجتمع ويستقر فلا يمكن أن يحتكر أو تستـأثر به مجموعة دون الأخرى ولا يقحم موضوعه في القضايا الخلافية بل إطاره الهوية ومرجعيتها
,ثانياً,العقل ,, كأساس للتنمية والترقية فيوضع له كل ما من شأنه يرقيه كنشر العلم والتربية وإقامة المناهج التعليمية والفنية تحفظ العقل وتسمح له بالتطور والرقي ويستخدم فيما يحقق استقرار المجتمع وتطويره وجعله عنصراً أساسياً في نهضة المجتمع ولايمكن بحال من الأحوال تشخيصه وجعله صاحب هوية والعقل لايحدد بالجغرافيا والتاريخ والوضع الاجتماعي والحكم الراشد أبرز ما يقوم عليه هو العقل أللإيجابي والمستنير

ثالثا,,,النفس ,, فالإنسان قيمة حضارية لايستحق التقليل منه أو التقليص من أدواره و أعماله فيجب مراعاته في الجانب الحقوقي والأخلاقي وتوفير منظومة قانونية وتشريعية تحميه من أي انتهاك وتوفر له المناخ الذي يسمح له بممارسة حقوقه , والنفس هي المستهدفة بالتنمية والرشاد وإذا شعرت النفس بالاطمئنان والسلم في ممارسة حياتها كان الاستقرار والأمان لقوله تعالى في نعمه على قريش " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف "
رابعا,,المال ,,, قيل عنه هو عصب الحياة ونخاعهاالشوكي وهو شريان الحياة ونجد أن المجتمعات تذهب هبتها ومكانتها وتكثر أزاماتها عندما تفقد السيطرة على المال فيبدد بالسياسات المرتجلة والهفوات في تسييره ويكثر الفساد المالي ويصير المال العام عرضة للنهب والاختلاس وتغيب الشفافية في تسييره وإدارته ويحلب بهذه الحالة الصراعات والنزاعات وتضيع فرص الإقلاع في التنمية والرقي والمال لايتحقق فيه الصلاح إلا إذا وضعت له سياسات راشدة ورجالات صالحون لقوله صلى الله عليه وسلم" نعم الرجل الصالح للمال الصالح " وترصد القيم للإدارة المال العام الذي هو قسيمة بين أفراد المجتمع ينتفعون به على ما يحفظ خيرات البلاد للأجيال القادمة

خامسا ,,النسل,, وهذا الأساس يعمل على تحقيق سلامة العرق والعلاقات الاجتماعية بإشاعة الفضيلة وما يمتن العلاقات الشرعية والسليمة في المجتمع ولايمكن إتلاف النسيج الإجتماعي بتقنين وتشريع ما يفسد النسل أو يعطله وحينما نتحدث عن النسل فنحن نتحدث عن الأجيال اللاحقة والمتعاقبة ومن مقاصد الحكم الراشد ضمان تواصل الأجيال بالتداول الاجتماعي الطبيعي والسلمي مع استقرار التحولات فيه فيعمل الحكم الراشد على صيانة النسل وتوفير له ما يُمكنه على النماء والتطور

السيادة غطاء الحكم الراشد
لاتصل إلى الحكم الراشد إذا كان يقبل بالإملاءات الخارجية سواء من دول أجنبية أو مؤسسات عالمية خارجية والسيادة منافية للتبعية وللاستيراد السياسي والاقتصادي والثقافي والتربوي والحكم الراشد ينبع من أصول المجتمع البديهية ويخرج من ذاته وعمقه بعد معاينة العلل والمعوقات والتحديات فيه
والراشد من طبيعته لايستقيم أمره بسلب سيادته وتعليق أمره على غيره ومن السيادة تحكيم القدرات والطاقات البشرية من المجتمع نفسه في تنمية البلاد وترقيتها لتكون محصنة وغير قابلة للانهيار

عندما يتجه الحكم الراشد نحو تكريس الديمقراطية والتعددية وحرية التعبير وفسح المجال بداية لتثبيت الهيبة الوطنية داخليا وتكريس الموقف الموحد والواحد في أهم القضايا الوطنية المصيرية ولا يضيق الحكم الراشد بالمعارضة الوطنية النابعة من صلب المجتمع وتستهدف الإصلاح والتصحيح ولا تستهدف زعزعة الاستقرار وتكون فجوة للأجنبي ليخترق وحدة المجتمع وسلامته الترابية والمعنوية وينتهك هويته التي تحفظ توازنه وتماسكه وكل ذلك يثبت السيادة كغطاء قوي للحكم الراشد
السيادة تعمل على ترشيد الحكم من خلال إقامة علاقات دولية مبنية على الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل إذا أنتهك الاحترام والتعاون الإيجابي ورفض كل أساليب وأشكال وطرق التدخل الأجنبي في شؤون الداخلية

والسيادة تتكرس من خلال حكم راشد يحترم الدستور ومواده ويجسده ولا يعمل على أهانته والدوس عليه وليس هناك من يكون فوق الدستور ولا تجرى في الدستور تعديلات تفسد فيه التوازنات واستقلالية المؤسسات الضابطة لإيقاع المجتمع ونبضه التشريعي والسياسي وُيجعل الدستور في الحكم الراشد نهاية للخلافات والمفاهيم ولايسمح بمن يحكم أو يصل للحكم أن ينقلب عليه أو يعطله بأحكام عرفية وطوارئ
فالحكم الراشد بهذا المدلول يساهم فيه الإسلاميون ولايعملون على معارضته إلا إذا أنحرف عن مقاصده وثوابته وأبعاده أو جُعل مطية للبقاء في الحكم بعنوان شريف واستغلال حقير رخيص
وأختم موضوعي بما قاله الشيخ الراحل محفوظ نحناح رحمه الله في مقال توجيهي لأبناء الجزائر تحت عنوان "الحركة الواعية بين السلطة والمعارضة "إن المشروع الإسلامي من جاذبيته أنه سلطة روحية ومعنوية وقانونية ودستورية وأنه معارضة إيجابية بناءة صدع بكلمة الحق في لين "فقولا له قولا لينا "سورة طه أية 44
فهو مواجهة مع الباطل بصراحة وبصدق وبنية الإصلاح
وتصحيح للأخطاء بصدق
ردع للشر من غير انتقام
إبعاد لشبح الظلم من غير قسوة أو عنف شعاره "رب ابني لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجيني من القوم الظالمين "سورة التحريم أية 11
وجهاد من غير استحلال لدماء المسلمين وأموالهم وأراضيهم
دعوة إلى الله "له دعوة الحق "سورة الرعد أية 14
إن للمشروع الإسلامي جاذبية بسبب إنه لايستعلي على أحد ولا يستكبر ولا يصعر خده للناس وحامله إن كان في السلطة فهو رحيم متسامح مشيع للخير وأنماط السعادة الدنيوية والأخروية ويوفر أجواء الحركات العلمية والفكرية والإعلامية والاقتصادية ,فلا يضغط على الناس ولا يخنق الحريات ولا يكمم الأفواه ولا يحرم نفسه من سماع النصيحة ولا يمنع الناس حرية التعبير ولا يمنع الرزق ولا يعاقب إنسانا بجريرة الثاني " ولاتزر وازرة وزر أخرى" سورة فاطر اية 18 "وان ليس للإنسان إلا ما سعى "سورة الأنبياء اية 15
وسجل فضيلته رحمه الله تعالى فيما تستقر به الأوطان قاعدة في غاية الإتقان لضبط مقاصد الحكم الراشد "ولهذا كان المشروع الإسلامي في نظر أصحابه والمتعاطفين معه مشروعا يعطي للحاكم الحرية وللمحكوم الحرية فإذا اصطدمت هذه القيمة في نظر الطرفين أحتكم إلى أيهما أكثر درءاً للمفاسد وأكثر جلبا للمصالح وهذا يتطلب القدرة على إتقان عرض الإسلام لئلا يصبح هذا الدين فتنة ومسبة أو مبررا لضربه أو تهمشه وشل حركته وفصل بعضه عن بعض أو المطالبة بإلغائه أو إلغاء جزء منه كما يردد العلمانيون مقولة أسيادهم " لادين في السياسة ولا سياسة في الدين "

* رئيس مجلس الشورى الوطني
avatar
أمل المستقبل
Admin

عدد المساهمات : 616
نقاط : 3000698
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 06/05/2009
العمر : 24
الموقع : http://hmsyellel.yoo7.com

046877140 http://hmsyellel.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى